مقالات الظهيرة

( دبابيس حارة) صرخة نازحة… هل من مجيب؟ وا عمراه (2)

الظهيرة – عثمان يونس:

في المقال السابق توقفت عند صرخة تلك النازحة التي تعيش بين طيات المشمعات، تفترش الأرض وتلتحف السماء، ترفع يديها في ليلٍ ثقيل وتطلق نداءها الحارق *وا عمراه* هل من مجيب؟”. كانت صرخة تختصر وجع النزوح كله، وتلخص حكاية آلاف الأسر التي اقتُلعت من جذورها لتجد نفسها في مواجهة واقعٍ قاسٍ لا يشبه حياتها الأولى.

لكن الصرخة لم تكن لحظة انفعال عابرة، بل كانت شهادة على حالٍ مستمر، ومعاناة تتكرر كل .صباح في مراكز الإيواء، حيث تختلط الخصوصيات وتذوب المسافات بين العائلات، تتكدس الأحلام المؤجلة جنبًا إلى جنب مع الأواني القليلة وقطع الأثاث المتناثرة. هناك، يصبح الانتظار نمط حياة، ويغدو الصبر رفيقًا ثقيلًا لا يفارق القلوب.

النازحة التي صاحت “وا عمراه” لم تكن تطلب ترفًا، ولم تبحث عن امتياز، بل كانت تسأل عن الأمان. كانت تحلم بعودة بسيطة إلى بيتها وتجلس بين احفادها وتنثر بينهم الضحكات والونسة وتقلى البن وتجهز بعد الافطار وتتناغم مع جاراتها وتحلب الغنم وتطلق صغار الغنم والماعز وتتكى على عنقريبها تشرب القهوة مع الجارات والاهل والاحباب

حلمها ان تعود الى ديارها التى تعرفها، وحوش كبير حدادى مدادى وتقفل بابٍه في المساء فتشعر بالطمأنينة. كانت تتمنى أن يعود أطفالها إلى مدارسهم، أن يستعيدوا دفاترهم وحقائبهم بدل أن يحفظوا طرق الماء وصفوف الإغاثة لم يتعودوه منذ النشأ .

في المعسكر، تتجلى ملامح الصبر السوداني الأصيل. أم تعد ما تيسر من الطعام، رغم شح الإمكانات. أب يخفي انكساره خلف ابتسامةٍ متعبة حتى لا يرى أطفاله وجعه. شباب يتطوعون لخدمة كبار السن، ونساء يتقاسمن القليل بروح التكافل. مشاهد بسيطة، لكنها تؤكد أن الروح لم تهزم، وأن الكرامة ما زالت حية رغم كل شيء.

ومع ذلك، فإن النزوح ليس مجرد ضيق معيشة أو نقص خدمات، بل هو جرح عميق في الذاكرة. هو اقتلاع من الأرض، وحرمان من الإحساس بالانتماء، وتبدل قاسٍ في ملامح الحياة. المرأة التي كانت سيدة بيتها أصبحت تنتظر نصيبها في صفوف المساعدات، والطفل الذي كان يحفظ درب مدرسته صار يحفظ حدود المخيم. هذه التحولات تترك أثرا لا يمحوه الزمن بسهولة.

 

الصرخة إذن ليست موجهة إلى شخصٍ بعينه، بل إلى الضميرٍ العام، إلى كل من يملك قرارا او صاحب ضمير حى أو قدرة على التخفيف. فالقضية ليست أرقاما تسجل او تحصى ، بل هي كرامة بشر وحقهم في حياة آمنة مستقرة.

يبقى سؤال النازحة معلقا: متى تنتهي هذه الرحلة الثقيلة؟ ومتى تعود الأسر إلى ديارهم لا كزائرين مؤقتين، بل كأصحاب أرضٍ وبيت؟ ويتطلعون الى عودة كريمة، تحفظ للناس حقوقهم وتعيد إليهم ثقتهم في الغد؟

 

*وا عمراه* ليست مجرد كلمة خرجت من صدر موجوع، بل هي رمز لوجع وطن بأكمله. فإذا كانت الصرخة قد ارتفعت إلى السماء، فإن الاستجابة الحقيقية يجب أنح تبدأ من الأرض، بالفعل والعمل، بالتكاتف والرحمة، وبجعل الإنسان أول الأولويات.

عندها فقط، ستتحول الصرخة من أنينٍ في ليل النزوح إلى بشارة فجر، ومن سؤالٍ موجع هل من مجيب؟” إلى جوابٍ صادق تصنعه الأفعال لا الأقوال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى