سوشال ميديا

خطاب كمبالا: المليشيا تبيع الوهم وتصنع المأساة

خطاب كمبالا: المليشيا تبيع الوهم وتصنع المأساة

​في مشهدٍ درامي غارق في التناقض، أطل قائد المليشيا المتمردة من العاصمة الأوغندية كمبالا، محاولاً رسم صورة “الرجل الحريص” على السلام والديمقراطية، في خطابٍ تجافى تماماً مع الواقع الدامي الذي يعيشه السودانيون تحت وطأة بنادق قواته. إن هذا الظهور لم يكن مجرد فعالية سياسية، بل محاولة تجميلية فاشلة لإخفاء معالم القبح الجنائي الذي مارسته المليشيا منذ إشعال فتيل الحرب، متجاوزةً ببرودٍ دموي صرخات الضحايا في الخرطوم ودارفور والجزيرة، لتسويق بضاعة سياسية كاسدة أمام مجتمع دولي وجالية مكلومة تعرف جيداً من الذي أحرق ديارها.
​■ انفصام سياسي
جسد خطاب “دقلو” في كمبالا حالة مستعصية من الانفصام بين منطق “الدبلوماسية الناعمة” وواقع “البربرية الميدانية”؛ فبينما كان يتحدث عن الانتقال الديمقراطي، كانت مليشياته في الخرطوم تمارس أبشع أنواع القمع والترهيب. فالفجوة الهائلة بين البيانات الصادرة عن مكتبه الإعلامي وشهادات الناجين من جحيم مناطق سيطرته، تؤكد أننا أمام آلة تضليل ممنهجة تقتات على خداع الرأي العام، بينما تُسكت المدافع صوت العقل، وتستبدل صناديق الاقتراع بصناديق الذخيرة التي تُحصد بها أرواح الأبرياء في كل حي وزقاق.
​■ إبادة صامتة
تُشير التقارير الحقوقية الصادرة عن كبرى المنظمات الدولية بوضوح لا لبس فيه إلى تورط المليشيا في استهداف متعمد للأحياء السكنية المكتظة، مما أدى لسقوط آلاف الضحايا المدنيين الذين لم يكن لهم ناقة ولا جمل في هذا الصراع. إن تحويل المناطق المأهولة إلى ساحات معارك وقصفها العشوائي يمثل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني، وما حديث القائد عن “حماية المدنيين” إلا محاولة لذر الرماد في العيون، وتغطية على جرائم حرب موثقة بالصوت والصورة، لا يمكن لخطابٍ منمق في قاعة فندق فاخر أن يمحو آثارها من ذاكرة الشعب.
​■ تدمير البنية
لم تكن المستشفيات والمرافق الحكومية ومحطات المياه والكهرباء بمنأى عن حقد المليشيا المتمردة، التي تعمدت تخريب البنية التحتية لتعطيل حياة السودانيين ودفع الدولة نحو الانهيار الشامل. فاحتلال المرافق الخدمية وتحويلها إلى ثكنات عسكرية وقنص العاملين فيها، يمثل استراتيجية “الأرض المحروقة” التي تنتهجها المليشيا لتطويع المواطن عبر الحرمان من أساسيات الحياة، وهو ما ينسف كل دعاوى “الإصلاح” التي يروج لها قادة المتمردين، ويؤكد رغبتهم في حكم “ركام” الدولة لا بناء مؤسساتها.
​■ نهب السيادة
شهدت الفترة الماضية أوسع عملية نهب منظمة في تاريخ السودان الحديث، حيث استباحت المليشيا منازل المواطنين العزل ومدخراتهم، فضلاً عن نهب البنوك والمصانع والمؤسسات العامة والخاصة، في سلوكٍ يعكس العقلية “الفيدائية” القائمة على السلب والنهب كمكافأة للمقاتلين. وتوثيق حوادث النهب الواسعة لم يترك مجالاً للشك في أن هذه المليشيا ليست سوى تجمع لمجموعات مسلحة تفتقر لأدنى معايير الانضباط العسكري الأخلاقي، وتعتبر ممتلكات الشعب السوداني “غنائم حرب” في مشروعها الاستيطاني الإجرامي.
​■ تشريد منهجي
مارست المليشيا عمليات تهجير قسري لمئات الآلاف من الأسر السودانية، مستخدمةً القوة المفرطة لإجبار السكان على ترك منازلهم التي تحولت لاحقاً إلى مقار لعناصرها أو مراكز للقنص. ونزوح الملايين نتيجة لعمليات المليشيا وانتهاكاتها الصارخة ليس مجرد “أثر جانبي” للحرب، بل هو فعل متعمد لإحداث تغيير ديموغرافي قسري في مناطق استراتيجية، مما تسبب في أكبر مأساة إنسانية يشهدها القرن الحالي، حيث هرب الناس بجلودهم من بطش عناصر لا تعرف حرمة للبيت أو النفس.
​■ ملف الجرائم
تتطابق بيانات وتقارير المنظمات الأممية حول وقوع انتهاكات جسيمة ترقى لتصنيف “جرائم حرب” و”جرائم ضد الإنسانية” ارتكبتها قوات الدعم السريع، مما استدعى مطالبات دولية ملحة بفتح تحقيقات مستقلة وشاملة. والأدلة الدامغة التي جمعتها لجان التحقيق حول القتل خارج نطاق القانون، والاغتصاب الممنهج كلاح حرب، والاختطاف، تضع قيادة المليشيا أمام مسؤولية جنائية دولية لا مفر منها، وتجعل من خطاب كمبالا مجرد محاولة يائسة للإفلات من العقاب الدولي الوشيك.
​■ جرح دارفور
في إقليم دارفور، اتخذت الانتهاكات طابعاً عرقياً دموياً بشعاً، حيث استهدفت المليشيا وحلفاؤها من الميليشيات القبلية مكونات اجتماعية محددة بناءً على الهوية، في تكرار مأساوي لسيناريوهات الإبادة الجماعية. إن التقارير الحقوقية التي تتحدث عن مقابر جماعية وتصفيات جسدية على أساس إثني في “الجنينة” ومدن أخرى، تفضح زيف خطاب “القومية” الذي يدعيه القائد، وتكشف عن وجه المليشيا الحقيقي كمشروع عنصري يهدد وحدة النسيج الاجتماعي السوداني ويقوض فرص التعايش السلمي.
​■ مرتزقة الحدود
اعتمدت المليشيا في حربها ضد الدولة السودانية على استجلاب آلاف المرتزقة من دول الإقليم ومن دول “ما وراء البحار”، مستعينةً بخبرات قتالية عابرة للحدود لتنفيذ أجندات تدميرية وتوسعية. فوجود هؤلاء المقاتلين الأجانب في صفوف المليشيا يثبت أن المعركة ليست سودانية خالصة، بل هي “حرب بالوكالة” تهدف لاختطاف سيادة البلاد وتسليم مقدراتها لقوى خارجية، مما يجعل من حديث القائد عن “السيادة الوطنية” أمام الجالية في كمبالا نوعاً من السخرية المريرة من عقول الحاضرين.
​■ خداع الرأي
حاول خطاب قائد المليشيا الالتفاف على الحقائق عبر لغة عاطفية تدغدغ مشاعر البسطاء، لكن الوعي الشعبي السوداني كان بالمرصاد؛ فالمواطن الذي فَقَد بيته وماله وعزيزاً عليه برصاص المليشيا، لا يمكن أن يصدق وعود من تسبب في نكبته. وتحاول آلة الإعلام التابعة للمتمردين صناعة “بطل وهمي” من ورق، لكن دماء الضحايا وصرخات الثكالى في معسكرات النزوح واللجوء هي الحقيقة الوحيدة الصامدة أمام سيل الأكاذيب والخطابات المنمقة التي تُلقى في قاعات المؤتمرات المكيفة.
​■ سقوط القناع
المحصلة النهائية لخطاب كمبالا هي سقوط القناع السياسي والأخلاقي للمليشيا؛ فالعالم بات يدرك أن من يزرع الموت في وطنه لا يمكن أن يحصد السلام في الخارج. و استمرار الممارسات الإجرامية على الأرض يفرغ أي خطاب سياسي من محتواه، ويجعل من “دقلو” مجرد قائد لمجموعة متمردة تبحث عن شرعية دولية مفقودة فوق ركام المدن المحترقة، مما يضع القوى السياسية والمجتمع الدولي أمام حقيقة واحدة: لا سلام مع من اتخذ الإرهاب والنهب والتهجير وسيلة للوصول إلى السلطة.

▪️الفصل الأخير
​بين رداء الدبلوماسية في كمبالا وفوهات البنادق في الخرطوم، تبقى الحقيقة ساطعة كشمس السودان؛ فالجرائم لا تمحوها الخطب، والعدالة لا تنام عن دماء الأبرياء. لقد أراد قائد المليشيا أن يبيع الوهم لجالية منكوبة، لكنه نسي أن كل سوداني اليوم هو شاهد ملك على فظائع قواته. فهل تستطيع الكلمات المنمقة أن تعيد بناء مستشفى هدمه الرصاص، أو تُرجع أباً اختطفته مليشيا الغدر؟ التاريخ وحده سيكتب الفصل الأخير، ولن يكون إلا بالعدالة والقصاص من كل من استباح حرمة الوطن والمواطن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى