خالد أمين زكي يكتب في (همس الأربعاء)…. ” أولاد من ضربوا من؟” … معادلة الهرج في البيت السوداني الجديد

ربما مجرد حدوته شعبية ساخرة. ولكنها في تقديري ولأول مرة نجحت في تلخيص المشهد السوداني المعقد الآن _ فهي تارة تدمي القلب و تارة أخرى تستدعي الضحك المُرّ معاً.
تخيلوا بيتاً جمع إمرأة لها أبناؤها من زيجة سابقة، برجل له أبناؤه أيضاً من زيجة أخرى مطلقة، ثم أنجبا أبناءً مشتركين ليدشنو عائلة جديدة. عاد رب البيت يوماً بعد غياب ليجد الفوضى و الهرج تضرب أركان منزله و تكاد تدمر الأساس. بسؤال عن هذا الشجار الكارثي، جاء الرد الذي يجب أن يدرس كأذكى صيغة معقدة للتهرب من المسؤولية في تاريخ النزاعات (( أولادي و أولادك ضربوا أولادنا)).
هذه الجملة ببرودتها و بلادتها العبقرية، وصفت حال النكران السياسي و التنصل من الأخفاق الذي يسيطر على الساحة السودانية اليوم، ففي الوقت الذي كان يجب أن
يتوحد فيه صوت العقل، أصبح كل طرف متشبثا بعزر الأصابع، مُديناً للآخر و مبرئاً ذاته.
(( أولادي، و أولادك)) : هما الرمزان الدالان على الأطراف المصارعة التي ورثت حيزاً من البيت السوداني. كل طرف يحمل إرثاً من التجربة، و لديه رؤية و طموح، و يرى في الآخر خصماً تاريخياً يجب إقصاؤه أو تحييده و (( أولادك)) يرون بأنهم ضحايا محاولات هيمنه (( أولادي)) لإعادة إنتاج الماضي.
المشكلة الجوهرية تكمن في هذا الجدل المفرغ لا يعترف بالملكية المشتركة للمنزل. كلاهما يتحدث بلغة ” نحن وهم”، وكلاهما يصر على أن أولاده هم وحدهم أبرياء، بينما البيت كله يتشقق ويتصدع. وهذه معادلة تقود إلى مزيد من التفكيك و الإنهيار، و تثبت أن الأزمة ليست في من يحكم، بل في كيف يحكم الجميع معاً.
لكن الضحية الأكبر و الأكثر نزيفاً، هي الفئة التي تعرضت للضرب المبرح و المُوجع: (( أولادنا))؛ أي الأبناء المشتركون
هؤلاء يمثلون مشروع الدولة الوطنية الجامعة، يمثلون المؤسسات الهشة التي وُلدت من رحم التسويات والتفاهمات، يمثلون الثقة العامة التي كان يجب أن تكون جسراً للعبور. عندما تتصارع الأطراف المتشاركة في السلطة، فإن أول ما تضربه و تهشمه هو مصداقية المؤسسات، والهوية السودانية الجامعة التي يجب أن تكون فوق كل فرز.
الإبن المشترك هنا هو المواطن الذي يدفع الثمن من أمنه و إستقراره و مستقبله. عندما ينتهك ” الولد المشترك” فهذا يعني نسف الهدف الأساس من شراكتهم تماماً : و هو بناء هذا البيت.
ولكن المثير للقلق هو عن ” الزوج” أو رب الأسرة. فهو المرجعية العليا، الضمير الوطني الذي يجب أن يتجاوز صراعات الفصائل.
الزوجة قدمت عذراً يكشف عمق الأزمة، لكنه يثير سؤالاً أكبر: أين هو الزوج الذي غاب وترك البيت ينهار؟ هل هو غارق في حسابات الربح والخسارة السياسية التي أنسته صوت الهرج ( الوعي الوطني و القيادة و المسؤولية) سريعاً ليأخذ زمام المبادرة و الحساب، فإن الأبناء المشتركين لن ينجوا، و سيهدم البيت على رؤوس الجميع. إن التلاعب بمسرحية الإتهام المتبادل يجب أن تتوقف، لأن الضحية ليست أولادي و لا أولادك، بل هي السودان نفسه.
وبما أننا تناولنا الموضوع في ( الظهيره السودانية) بما يعني تسليط الضوء على أصعب الحقائق، فإننا في مقال قادم بإذن الله تعالى سنكشف من هو هذا ” الزوج” الذي ترك أبناؤه يتصارعون، وماهو نوع البضاعة التي كان يسعى لشرائها في (( سوق النسيان)) هذا. إنتظرونا! .



