النازحين ما بين الحنين للديار… ومراكز الإيواء يستقبلون الشهر الفضيل… وفي النفس أحزان

الظهيرة – عثمان يونس:
حين يهل هلال رمضان، تتبدل وجوه الأيام، وتلين القلوب، وتتعطر البيوت بروح العبادة والسكينة. غير أن المشهد يبدو مختلفا في مراكز الإيواء، حيث يستقبل النازحون الشهر الفضيل وقلوبهم معلقة هناك ، عند أبواب بيوت تركوها على عجل، وأحلامٍ أُرجئت حتى إشعار آخر.
في المساحات الضيقة التي تحولت إلى مأوى مؤقت، تختلط مشاعر الرجاء بالحزن. يجلس الأب يتأمل أبناءه وهو يحاول أن يخفي قلقه خلف ابتسامة مطمئنة، وتستعيد الأم في صمتٍ تفاصيل بيتها القديم؛ موضع الموقد، رائحة الخبز قبيل المغرب، وصوت الجيران وهم يتبادلون أطباق الإفطار. كل زاوية هنا تذكرهم بأنهم بعيدون، لكن قلوبهم ما زالت هناك.
رمضان بالنسبة لهم ليس مجرد طقسٍ تعبدي، بل مساحة مواجهة مع الذات. ففي لحظة الأذان، تمتد الأيدي بالدعاء لا لتمام الصيام فحسب، بل لتمام العودة. الدعاء هنا يحمل معنى أوسع؛ أن تنقضي الغربة، وأن تعود الحياة إلى مسارها الطبيعي، وأن يجتمع الشمل تحت سقفٍ يعرف أسماء ساكنيه.
ورغم الأحزان التي تسكن النفوس، لا تغيب روح التكافل. تتقاسم الأسر ما توفر من طعام، وتقام موائد بسيطة تحمل من المعنى أكثر مما تحمل من الزاد. تعد الأمهات العصيدة والنعيمية وبليلة المليل، وتحاول الأيادي المتعبة أن تحافظ على طقوس الشهر، وكأنها تقول إن الحرب تستطيع أن تبعثر الأشياء، لكنها لا تستطيع أن تنتزع الروح.
أما الأطفال، فيمنحون المكان بعض الضوء. يفرحون بزينةٍ بسيطة، أو بلمبة صغيرة، ويصنعون من المساحة الضيقة ساحة لعبٍ مؤقتة. في ضحكاتهم رسالة خفية للكبار: أن الحزن، مهما اشتد، لا ينبغي أن ينتصر.
النازحون اليوم يعيشون على أملٍ صامت. أملٍ بأن يكون هذا الرمضان محطة صبر، لا محطة وداعٍ جديدة. وأن يكون ما في النفس من أحزان وقودا للثبات، لا سببا للانكسار. فهم يعلمون أن الليل مهما طال، فإن للفجر موعدا لا يتخلف، وأن الوطن وإن ابتعد بجدرانه، يظل قريبًا ما دام في القلب متسعٌ للأمل.
وهكذا يستقبلون الشهر الفضيل بين حنين لا يخبو، وأحزانٍ لم تنطفئ بعد، لكنهم يوقنون أن مع العسر يُسرا، وأن بعد كل غياب عودة.



