مقالات الظهيرة

(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب…. هل يحترق العالم في أتون “عناد الكبار”؟

يخطو العالم اليوم فوق خيط رفيع يفصل بين الاستقرار والهاوية، بينما تترقب الأنظار في قلق بالغ ذلك الصراع المحموم بين القوة الضاربة للولايات المتحدة والمارد الصيني الذي لم يعد يقنع بمقاعد المتفرجين.

السؤال الذي يهمس به العقلاء في آذان التاريخ: هل قررت واشنطن بالفعل أن تقود الكوكب نحو رهان انتحاري، فقط لتكسر شوكة منافسها الآسيوي العنيد؟

إننا لا نتحدث هنا عن سباق رياضي أو منافسة شريفة، بل عن مخاض جيوسياسي عسير قد يلقي بظلاله القاتمة على كل بيت من “نيويورك” إلى أقاصي القرى المنسية، فالعالم الذي تشابكت مصالحه وتعقدت خيوطه الاقتصادية لم يعد يحتمل مغامرات “كسر العظام” التي قد تنتهي بجحيم لا يستثني أحداً.

إن الرغبة الأمريكية في الحفاظ على الأحادية القطبية تبدو اليوم كمن يحاول حبس الريح في راحة يده، فالمارد الصيني لا يواجه العالم بالمدافع بقدر ما يغزوه بالرقائق الذكية والحرير الجديد والنمو الصامت الذي زلزل عروش الهيمنة التقليدية.

وهنا تكمن الخطورة؛ إذ حين تضيق خيارات القوة العظمى في الاحتواء السلمي، قد تلجأ إلى سياسة “الأرض المحروقة” اقتصادياً وتكنولوجياً، وهو مسار محفوف بالزلات التي قد تعصف بسلاسل الإمداد العالمية وتغرق البشرية في ركود لم تعرفه من قبل.

إن “الأنانية السياسية” حين تطغى على الرشد الإنساني، تتحول إلى ثقب أسود يبتلع أحلام التنمية والاستقرار، ويجعل من القضايا الكبرى كالمناخ والفقر مجرد ترف فكري في زمن الصدام المفتوح.

إننا أمام لحظة فارقة تتطلب من المفكرين والنخب الوقوف بصلابة ضد دعوات المواجهة الصفرية، فالقيادة الحقيقية للعالم في هذا القرن لا تكمن في القدرة على إقصاء الآخر، بل في “الإبداع في التعايش” وخلق مساحات للتكامل تحترم كرامة الإنسان وتعددية الأقطاب.

التاريخ لا يخلد الذين أشعلوا الحرائق ليدفئوا عروشهم، بل يذكر بإجلال أولئك الذين مدوا الجسور فوق فوهات البراكين.

ويبقى الأمل أن يدرك “الكبار” قبل فوات الأوان أن احتراق الغابة لا ينجي شجرة واحدة، وأن كسر شوكة المنافس قد لا يعني سوى كسر العمود الفقري للاستقرار العالمي الذي ننشده جميعاً من أجل غدٍ أكثر إنسانية ورحمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى