مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب… دبلوماسيـة الملاعـق والكاسـات!!

*أثارت الزيارة الأخيرة لوفد رئيس الوزراء السوداني كاملإدريس إلى الفاتيكان والعاصمة البريطانية لندن الكثير من الحبر والجدل في الأوساط السياسية والإعلامية المفارقة لم تكن في تفاصيل الأجندة السياسية أو الملفات الاقتصادية التي تهم المواطن السوداني المكلوم، بل في الحصيلة الدبلوماسية الشحيحة لوفد رفيع المستوى سافر لتمثيل دولة لينتهي به المطاف دون لقاءات رسمية معلنة مع مسؤولين بريطانيين رفيعي المستوى*.

 

*ولتبرير الأسئلة المشروعة حول جدوى الزيارة وتكلفتها خرج علينا وزير الثقافة والإعلام السيد خالد الإعيسر بردٍّ أراد منه تلطيف الأجواء، فجاء كالمثل القائل (عذرٌ أقبح من ذنب) الوزير دافع عن نجاح الزيارة بالقول إن الوفد تناول وجبة الغداء داخل مبنى البرلمان البريطاني العريق*!

 

*وهنا يقف المتابع للشأن السياسي مذهولاً هل تحولت دهاليز السياسة الخارجية ومؤسسات القرار الدولي إلى مطاعم فاخرة أو وجهات سياحية تُقاس نجاحات الوفود الرسمية بجودة وجباتها وفخامة قاعاتها إن تناول الغداء في البرلمان البريطاني (والذي يمكن لأي حاملي بطاقات معينة أو زوار بتنسيق عادي دخوله) ليس إنجازاً سياسياً يُذكر في دفتر العلاقات الدولية بل هو تفصيل بروتوكولي لا يسمن ولا يغني من جوع سياسي*.

 

*إذا تعمقنا في المشهد وحاولنا تفكيك الشفرة وراء هذا الهدوء والبرود الدبلوماسي سنبطل العجب فالواقع يقول إن رئيس الوزراء ووزير الإعلام الحالي ليسوا غرباء عن ضباب لندن بل إن بريطانيا تمثل للكثير منهم موطناً ثانياً أو ربما أولاً تقيم فيه عائلاتهم منذ سنوات وربما يحملون جوازاتها الحمراء التي تفتح لهم الأبواب كمواطنين قبل أن تفتحها كمسؤولين*.

 

*من هذا المنطلق، يمكن القول بلسان حال الواقع إن الزيارة في جوهرها لم تكن مهمة رسمية شاقة لانتزاع مواقف سياسية داعمة للسودان في محنته بقدر ما كانت زيارة عائلية مغلفة بطابع رسمي تمثل عودة إلى الديار وتفقد للأهل والأقارب واستغلال للصفة الرسمية لتناول غداء دافئ في ردهات وستمنستر على حساب دافع الضرائب السوداني*.

 

*يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي كارثي يتطلب دبلوماسية مقاتلة وشرسة تبحث عن تحالفات حقيقية وضغوط دولية ومساعدات إنسانية تسد رمق الملايين في هذا التوقيت الحرج لا يملك الشعب السوداني ترف تمويل رحلات استجمام أو زيارات تفقدية لعائلات المسؤولين في عواصم الضباب*.

 

*إن اختزال العمل الدبلوماسي في وجبة غداء هو استخفاف بعقول السودانيين وتأكيد على أن الفجوة ما زالت متسعة بين واقع المواطن الذي يبحث عن الأمان وبين مسؤولين يجدون في المناصب فرصة لتجديد الإقامة وزيارة الأهل وتناول الغداء في برلمانات الدول التي يحملون جنسيتها*

 

 

yassir.Mohammed@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى