مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب… بين المنبر والواقع حينما تنفصل الخطابة عن الاستقامة

*​في زاوية المسجد يجلس المئات كل جمعة منصتين لإمامٍ تهتز لنبرات صوته الجدران يتحدث عن الزهد في الدنيا ويتحدث عن العفو عند المقدرة وعن الصبر عند الشدائد وعن الأمانة في التعامل وعن كظم الغيظ وعفة اللسان تنتهى الخطبة يخرج المصلون بقلوب رقيقة لكن الصدمة تبدأ خارج حدود السجادة حين يصطدم المصلّى بذات الإمام فى موقف حياتى عملى ليجده أبعد ما يكون عن المثالية التى رسمها فوق المنبر*.

 

*​هذا المقال لا يهدف للنيل من مكانة الإمامة المقدسة ولا يقصد به إمام محدد بل يسلط الضوء على فجوة بدأت تتسع في مجتمعاتنا فجوة انفصام الشخصية الدعوية التى تتمثل فى ​أزمة القدوة (لمَ تقولون ما لا تفعلون؟) ​إن أخطر ما يواجه الخطاب الديني اليوم ليس الإلحاد أو التغريب بل هو سقوط القدوة ولا سيما عندما يتحول الإمام إلى موظف ميكروفون يتقن رصّ الكلمات وتنميق الجمل بينما تخلو ممارساته اليومية من روح هذا الدين فإنه يهدم في دقيقة ما بناه في ساعة*

 

*​الدين المعاملة ليس مجرد شعار بل هو جوهر الاختبار فما قيمة الحديث عن التواضع وإمام المسجد يتعامل باستعلاء مع البسطاء؟ ويبطن خلاف ما يظهر ويحمل حقدا دفينا على كل من يتخيل إليه أنه ضده وهنا تسقط القدوة بفعل ممارسات الإمان الخاطئة وتتحطم الأمانة المفقودة كيف يثق الناس فى موعظة عن الأمانة والصدق والعفو عند المقدرة

إذا كان الإمام نفسه يمارس المحاباة وعدم جبر الخواطر أو يتهرب من مسؤولياته أو يفتقر للشفافية فى تعاملاته المالية والاجتماعية؟ ويبقى الإمام ذات نفسه مضرب مثل​للتأثير النفسى والاجتماعى للفشل العملى و​عندما يفشل الإمام فى تطبيق الدين عملياً فإنه لا يسيء لنفسه فقط بل يترك ندوباً في وعى المجتمع ويساهم الإمام فى​صناعة النفاق ويرسخ هذا السلوك فكرة أن الدين مجرد طقوس وكلام جميل وليس منهج حياة مما يؤدى الى ​نفور بعض الشباب ويضطرهم الى أن يبحثوا عن جيل الأصالة والصدق فإذا رأوا تناقضاً صارخاً بين القول والفعل زهدوا فى بيوت الله وفى الدين نفسه مما يؤدى ​تآكل الثقة وتصبح نصائح الإمام مجرد ضجيج لا يجاوز الآذان لأن المستمع يرى خلف الكلمات شخصاً لا يطبق ما يؤمن به يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليمُ؟*

 

*ف​مسؤوليتنا المشتركة تحتم علينا الحض نحو صناعة إمام يجسد القدوة لأن الإمامة ليست وجاهة اجتماعية بل هى أمانة ثقيلة إننا بحاجة إلى أئمة يدركون أن صمتهم بأخلاقهم فى الأسواق ومع الجيران أبلغ أثراً من صراخهم فوق المنابر ويبقى ​التحدي الحقيقى هو الانتقال من دين الكلام إلى دين العمل فالناس لا يحتاجون إلى من يشرح لهم الصدق بل يحتاجون إلى أن يروا الصادق فى تعاملاته اليومية*

 

*والرسول صلى الله عليه وسلم لم يبعث خطيبا بقدر ما أنه بعث متمما لمكارم الأخلاق والدين المعاملة بالقول والفعل والعمل والدين لا يقاس بتقصير الجلباب او تطويل اللحية ولو كان طول اللحية يرمز للتدين لكان لينين وفيدل كاسترو أولى بالإسلام من كثير من المسلمين ومن هنا يكون بعض أئمة المساجد مثل التلفزيون يقدمون خطبهم فى شكل برنامج إسبوعى من منبر المسجد وتهزمهم مواقفهم فى الحياة العملية*.

 

 

yassir. mahmoud71@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى