مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب…. إمـرأة لا تُرى.. وحضـورٌ لا يغـيب

*فى فلسفة الغياب ثمة أشخاصٌ يمرون في حياتنا كالنسمة لا نراهم بالعين ولكننا نلمس أثرهم فى كل زاوية ونستشعر وجودهم في تفاصيل الحياة من حولنا هكذا كانت هذه السيدة الماجدة التى لم يجمعنى بها قدرٌ لرؤيتها يوماً ولا أُتيح لى شرف معرفة اسمها رغم أننى وطئت أعتاب دار زوجها عبد

العزيز البشير بقرية ود أونسة بمحلية سنار أكثر من عشر مرات زرت دارهم المفتوحة دائماً للجميع شاركتهم في الأفراح وشاطرتهم فى الأتراح وكان آخر تلك الزيارات في مايو الماضي لأداء واجب العزاء في نجل ابنتهم وطوال تلك الزيارات المتكررة لم تقع عيناى عليها قط ولم يُذكر أمامى اسمها لكننى رأيتها جلياً في كل ركن من أركان البيت رأيتها في النظافة الفائقة والترتيب الدقيق لصالون الرجال وفى ذلك الاهتمام الاستثنائى بأصغر التفاصيل التي تمنح الزائر شعوراً عميقاً بالراحة والسكينة وكأنه في بيته لقد كانت بلمساتها الخفية حاضرة فى كل زاوية تُدير كرم الضيافة بصمتٍ ناطق وتُنسق البهجة بأناقة لا تُخطئها العين*.

 

*لم يكن أثرها مقصوراً على جدران المنزل بل امتد ليعكس صورة الزوج أبهى ما تكون لقد رأيت هذه السيدة في أناقة زوجها عبد العزيز البشير وفى هندامه المتقن ومظهره المهاب مما أورثنى يقيناً قاطعاً بأن عبد العزيز البشير رجلٌ عظيم يرتكز على سندٍ متين وامرأة تعرف بحسها الأصيل كيف تُكرم الضيف وتحفظ الأعراف وتصون التقاليد السودانية النبيلة التى جعلت من دارهم مقصداً لكل قاصد إن التربية هي المرآة الحقيقية التي تنعكس عليها روح الأم وذوقها وهنا يتجلى الأثر الأكبر لهذه الفقيدة لقد عرفت ابنها الشاب الخلوق محمد عبد العزيز البشير فى محور غرب سنار بمنطقة شندى فوق عندما كنا معاً في متحرك أسود العرين هناك وسط ظروف

الحرب والمخاطر كان محمد ترجمة حقيقية وأمينة لتربية سليمة ومعافاة يفيض أدباً جماً وشجاعة وأخلاقاً فاضلة فكان خير دليل على عظمة الأم التى غلست فى روحه تلك القيم واليوم نعى الناعى رحيل هذه السيدة الماجدة التى ترجلت عن صهوة جواد الحياة الدنيا بعد أن أكملت رسالتها بكل صمتٍ ونبل غادرتنا وجسدها غائب لكنها تركت خلفها سيرة عطيرة ومسيرة حافلة بالعطاء وأثراً طيباً يمتد في أبنائها وفى كل بيت وطئته لمساتها الفاضلة لتبتسم روحها برضا وهى ترى ما زرعته يزهر خيراً وأدباً*.

 

*إن رحيل مثل هؤلاء النساء العظيمات يترك فى القلوب غصة وفى الديار فراغاً لا يملؤه إلا جميل الصبر وحسن العزاء كان حضورها الخفى صانعاً لدليل كرم الدار وسيكفل لها هذا الأثر الطيب خلوداً في ذاكرة كل من زار بيتهم وشهد بأخلاق أبنائها فالمرأة الصالحة هى السند الذى يبنى الرجال والأم المربية هى التي تترك أثرها مسطوراً فى أخلاق فرسانها وبهذا المصاب الجلل نتقدم بأحر التعازى وأصدق المواساة لزوجها المكلوم عبد العزيز البشير ولابنها الخلوق محمد، ولكافة أبنائها وبناتها وإلى جميع أهلنا الكرام في قرية ود أونسة إن الفقد كبير ولا والمصاب أليم لكن يعزينا ما تركته الراحلة من أثرٍ جميل ونسلٍ صالح يدعو لها بالرحمة والمغفرة*.

 

*نسأل الله العلى القدير أن يتغمد السيدة الفقيدة بواسع رحمته وأن يجعل ما قدمته في بيتها وأسرتها صدى لموازين حسناتها وأن يسكنها فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. اللهم أنزل على قلب زوجها وأبنائها وآلها وذويها الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون*.

 

 

yassir.mahmoud71@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى