(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب… مرافئُ السِّتر.. حين تغدو العوراتُ “محرماتٍ” بصرية
في ملكوتِ العلاقاتِ الإنسانية، ثمّة خيطٌ رفيعٌ يفصلُ بين “النقدِ البصير” وبين “التلصّصِ الضرير”. إنَّ الانشغالَ برصدِ ندوبِ الغَيْر ليس إلا محاولةً بائسةً لترميمِ تصدعاتنا الداخلية بطلاءٍ من عثراتِ الآخرين.
مَن جعلَ من “الهَفوةِ” مادةً لثرثرتِه، فقد أعلنَ إفلاسَه الأخلاقي؛ فالمبدعون الحقيقيون هم الذين يشيدونَ قلاعَهم من أحجارِ الإنجاز، لا من حطامِ السِّيَر. إنَّ الروحَ التي تحلقُ في سماواتِ الرفعةِ لا تبصرُ القشَّ في عيونِ الرفاق، بل تنشغلُ بنسجِ الضياءِ في فضاءاتها الخاصة، لتصنعَ من الكلمةِ قنديلًا لا مِقصلة.
تكنلوجيا “الستر”.. هندسةُ الروحِ في زمنِ الانكشاف
نحنُ نعيشُ في عصرٍ صارَ فيه “السترُ” تكنولوجيا معقدةً لا يتقنُها إلا النبلاء، وسطَ ضجيجِ منصاتٍ تقتاتُ على الفضيحة. إنَّ مطاردةَ “العيبِ” وتحويلَه إلى “وسمٍ” اجتماعي هو اغتيالٌ معنويٌّ بدمٍ بارد، وطمسٌ لجمالياتِ التغافلِ التي هي “تِسعةُ أعشارِ العقل”.
إنَّ ذروةَ الاحترافِ الإنساني تتجلى في “التجاهلِ الواعي”، وفي تلكَ المقدرةِ العاليةِ على رؤيةِ النقصِ ثمَّ العبورِ فوقَه بجناحيْ تسامحٍ لا يكسرهما كبرياءُ الزيف، ليبقى الفضاءُ العامُّ طاهرًا من شوائبِ الترصد.
قِيثارةُ الموجدة.. ترانيمُ الحنينِ إلى “دثارِ” القيم
وحين يشتدُّ بنا الهجيرُ الأخلاقي، نلوذُ بذاكرةِ الأرضِ التي أنبتت فينا “أدبَ المحبة” وسحرَ المروءة. هناك، حيثُ تتوسدُ القيمُ وسادَ الوفاء، كان “السترُ” ميثاقًا غليظًا، والخصوصيةُ حِمىً لا يُستباح. إنَّ الحنينَ لتلكَ الروحِ ليس بكاءً على أطلالٍ مكانية، بل هو توقٌ لمجتمعٍ يرى في “عورةِ القريب” جرحًا في جسدِ الجميع، فيسارعُ لتضميدِه لا لنكئِه. هناك، في فيءِ تلكَ المعاني الوارفة، كانت العباراتُ تُعزفُ على أوتارِ الحياء، وتنسابُ بساطةً تلامسُ النخبةَ والعامةَ بفيضٍ من طهرٍ لا ينضب.
إشراقةُ الخلاص: طهارةُ المبتدأ.. قداسةُ المنتهى
إنَّ الذي يتصيَّدُ عيوبَ الناسِ كمن يجمعُ الحطبَ ليحرقَ بستانَه وهو لا يشعر. فكنْ أنتَ العازفَ الذي يوقظُ في النفوسِ أجملَ ما فيها، والمصورَ الذي لا تلتقطُ عدستُه إلا مكامنَ الضوء. لنجعلْ من كلماتنا “تمائمَ” أمانٍ للآخرين، لا “سهامًا” تلاحقُ الخُطى. ففي نهايةِ المطاف، لا يبقى في ذاكرةِ الوجودِ إلا مَن مرَّ خفيفًا، سَتَرَ كسيراً، وتركَ خلفَه عطرَ قولٍ رصين يجمعُ شتاتَ القلوبِ على مائدةِ الإبداعِ والتجديد.



