(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… تفوق البنات في الشهادة الثانوية… ما السر؟

ظاهرةٌ لافتةٌ تكررت عاماً بعد عام، وأصبحت حديث المجالس والمدارس والبيوت. عند إعلان نتيجة الشهادة الثانوية، يبرز اسم البنات في قوائم الأوائل، وتعلو نسب نجاحهن، ويزداد عدد المتفوقات. فما السر الذي جعل كفة البنات أرجح؟ وما العوامل التي عززت عزيمتهن حتى سبقن؟
*1. الانضباط والالتزام… زاد التفوق*
من أبرز ما يميز الطالبات الانضباط العالي في الحضور والمتابعة. فالفتاة عادةً ما تعز عليها أن تتغيب عن الحصة، ويعز عليها أن تُقصر في الواجب.
تجدها حريصةً على الدفتر، مرتبةً للكتاب، معتنيةً بالزمن. لا تضيع ساعاتها في اللهو، بل تجعل للمذاكرة موضعاً ثابتاً في يومها.
هذا الالتزام الصارم يصنع فرقاً تراكمياً… درسٌ فوق درس، وفهمٌ فوق فهم، حتى إذا جاءت الامتحانات وجدت نفسها على أهبة الاستعداد.
*2. الدافعية العالية… وخوف الإخفاق*
البنات أكثر استشعاراً للمسؤولية تجاه الأهل. تعلم الفتاة أن نجاحها عزٌ لأسرتها، وأن رسوبها كسرٌ لقلوبٍ علقت عليها الآمال.
ولذلك تجد لديها دافعية داخلية عظيمة. تخاف من الفشل، فتعمل على تجنبه. وتطمح في التقدير، فتسعى إليه.
هذا الخوف المحمود من الإخفاق تحول إلى وقودٍ يدفعها للمزيد من الجهد، والمزيد من المراجعة، والمزيد من العزيمة.
*3. بيئة الدراسة المستقرة*
غالباً ما تكون بيئة البنات في المنزل أكثر استقراراً وهدوءاً. يعز على الأهل أن يروا ابنتهم خارج البيت لساعاتٍ طويلة بلا ضرورة، فيوفرون لها الجو المناسب للمذاكرة.
كما أن كثيراً من الفتيات يبتعدن عن المشتتات الخارجية التي قد تعيق الأولاد… كالطلعات المتكررة، والسهر في المجالس، والانشغال بأمورٍ لا علاقة لها بالعلم.
هذا الهدوء يمنح العقل فرصةً للتركيز، ويمنح الحفظ فرصةً للرسوخ.
*4. قوة الحفظ والتعبير*
أثبتت الدراسات التربوية أن الإناث يتفوقن في المهارات اللغوية والتعبيرية والحفظ. والشهادة الثانوية بموادها الأدبية والعلمية تحتاج إلى هاتين الملكتين.
الفتاة تجيد صياغة الإجابة، وتنظيم الورقة، وترتيب الأفكار. تكتب بخطٍ واضح، وتعبر بجملٍ منسقة، وتلتزم بتعليمات المصحح.
هذه التفاصيل الصغيرة جمعت درجاتٍ كثيرة، فكان التفوق نتيجةً طبيعية.
*5. القدوة والتنافس الشريف*
عندما ترى الطالبة زميلتها تتفوق، يشتعل في داخلها عود المنافسة. “لماذا هي الأولى ولا أكون؟”
فتتحول المدرسة إلى ميدان سباقٍ شريف. كل واحدةٍ تعز عليها أن تسبقها الأخرى، فيعلو سقف الجهد للجميع.
ومع وجود معلماتٍ قديراتٍ يمثلن القدوة، تزداد الهمة، ويعلو الطموح.
*ولكن… أين يكمن التحدي عند الأولاد؟*
هذا لا يعني أن الأولاد عاجزون. كلا!
ولكن كثيراً منهم يقعون في فخ المشتتات: الصحبة غير المنضبطة، والانشغال بالتقنية بلا ضابط، والاعتقاد الخاطئ بأن “اللحظة الأخيرة” تكفي.
كما أن بعضهم يرى الدراسة عبئاً لا تشريفاً، فيدخل القاعة بلا عزيمة، ويخرج بلا زاد.
*ختاماً… نقطة ضوء*
إن تفوق البنات ليس صدفة، بل هو ثمرة انضباطٍ وعزيمةٍ ودافعية.
وهو في الوقت نفسه دعوةٌ للأولاد أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم، وأن يعلموا أن العلم لا يعرف جنساً، وإنما يعرف من طرقه بجدٍ ومن سهر عليه بصدق.
أيها الأهل… عزوا هذا التفوق، واحموا بناتكم من الغرور، ووجهوا أبناءكم نحو الجد.
وأيها المعلمون… كونوا ميزاناً عادلاً، واشعلوا في قلوب الجميع حب التفوق.
في النهاية، وطنٌ ترتفع فيه نسبة تعليم البنات هو وطنٌ يتقدم. ووطنٌ ينهض فيه الأبناء والبنات معاً هو وطنٌ يعز شأنه.
فلنجعل من “نقطة ضوء” هذا التفوق منارةً نُضيء بها الطريق للجميع… بنين وبنات.



