من هم أصحاب المصلحة الحقيون؟ تشريح خريطة الفاعلين في الحوار المرتقب

قراءات إستراتيجية
سلسلة مقالات : تشريح لحظة الوطن
المقال الثالث :
بقلم/ الدكتور محمد عوض محمد متولى
المحلل والاكاديمى والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
*سبتمبر 2026م*
______________
حين نتحدث عن “الحوار السوداني-السوداني” فإن أول فخ نقع فيه هو الافتراض الساذج بأن “السودانيين” كتلة واحدة. هذه المقولة الرومانسية كانت سبباً في فشل كل حواراتنا السابقة. فالسودان اليوم ليس شعباً واحداً يتحدث بصوت واحد، بل هو فسيفساء من المصالح، وتقاطع من النفوذ، وشبكة معقدة من الفاعلين. والسؤال الجوهري قبل الجلوس ليس “متى نتحاور؟؟؟
” بل “مع من نتحاور؟؟؟ ” ومن هم الذين يملكون فعلياً مفاتيح الحرب والسلم؟؟؟.
إن أي قراءة إستراتيجية رصينة تفرض علينا أن نقسم الخريطة إلى ثلاث دوائر متداخلة: دائرة السلطة الرسمية، ودائرة السلطة الفعلية، ودائرة السلطة المجتمعية. وتجاهل أي من هذه الدوائر يعني أننا نوقع اتفاقاً مع الأشباح.
الدائرة الأولى: هي دائرة السلطة الرسمية. وهي التي تملك الشرعية القانونية والدولية. تمثل الدولة ومؤسساتها السيادية. وهي ضرورية لتوقيع أي اتفاق ومنحه الغطاء الدستوري. لكن خطورة الاكتفاء بها أنها قد توقع ما لا تستطيع تنفيذه على الأرض. فالشرعية وحدها لا تصنع النفاذ.
الدائرة الثانية: هي الأخطر والأكثر تعقيداً، وهي دائرة السلطة الفعلية. وهنا نتحدث عن القوى التي تملك السلاح، وتملك المال، وتملك شبكات النفوذ على الأرض. هؤلاء قد لا يظهرون في الصور الرسمية، وقد لا يوقعون على البيانات، لكنهم قادرون على إفشال أي اتفاق بطلقة واحدة، أو بتجفيف مورد واحد. تجاهلهم هو إنتحار سياسي، وإشراكهم دون ضوابط هو انتحار أخلاقي. والمعادلة هنا دقيقة: كيف نحولهم من أصحاب مصلحة في استمرار الفوضى إلى شركاء في بناء الاستقرار؟؟؟
أما الدائرة الثالثة: فهي دائرة السلطة المجتمعية. وهي صوت الناس الحقي. النقابات، الإدارات الأهلية، لجان الخدمات المجتمعية ، المرأة، الشباب، المهجرون. هذه الدائرة لا تملك السلاح ولا المال، لكنها تملك شيئاً أخطر: تملك الشرعية الشعبية. وبدونها يتحول أي اتفاق إلى نخبوي معزول عن وجدان الشارع. وهنا مكمن الإختبار. فالشعب لم يعد يثق في نخبة تتفاوض باسمه ثم تعود لتقتسم الغنائم.
وهناك دائرة رابعة لا يجوز تجاهلها، وهي دائرة “أصحاب المصلحة الخارجيون”. الإقليم والدول الفاعلة. هؤلاء ليسوا أطرافاً في الحوار، لكنهم ضامنون وممولون ومعرقلون محتملون. أي حوار يتجاهل حساباتهم سيتم وأده في المهد. والذكاء هو أن نحولهم من لاعبين إلى حكام.
إذن من هم أصحاب المصلحة الحقيون؟؟؟
هم ليسوا أسماء. هم وظائف. هم من يملك القدرة على تعطيل، ومن يملك القدرة على البناء والتعمير ، ومن يملك القدرة على الشرعنة. والحوار الناجح هو الذي يجمع الثلاثة على طاولة واحدة.
لكن إحذروا من فخ التمثيل. فإشراك الجميع دفعة واحدة يعني فوضى. واستبعاد البعض يعني انقلاباً نوياََ قادماً. الحل في هندسة سياسية ذكية: طاولة مصغرة للتفاوض حول القضايا الكبرى، ومؤتمر واسع للتشاور حول القضايا المجتمعية، وآلية ضمانات إقليمية ودولية للتثبيت.
إن جوهر الأزمة ليس في غياب الحوار، بل في غياب الاعتراف المتبادل. كل طرف يرى نفسه “السودان الحقيقى” ويرى الآخر “دخيلاً”. ولذلك فإن أول خطوة في هذا الحوار ليست مناقشة البنود، بل الإعتراف بوجود الآخر كشريك مجبر عليه، شئنا أم أبينا.
إذا لم نحدد “من” بدقة، فسنضيع عمراً في “ماذا”. وإذا لم نعترف بالآخر، فسنظل ندور في حلقة الحرب إلى ما لا نهاية. فالوطن يتسع للجميع، ولكن ليس على حساب الجميع.
“والله ولى ذلك وهو يهدى إلى سواء السبيل”



