(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب… ولقد بَقْبَقَ سلك بفمهِ ُمُزَبِدا!!
خرجت فداسي الوادعة بأهلها عن بكرة أبيها، خرجت بوجوه مكشوفة وقلوب مستقيمة، لتقول كلمتها بوضوح لا يحتمل التأويل: نحن هنا، حيث يجب أن يكون الشرف، وحيث تصطف القرى قبل المدن خلف قواتها المسلحة. خرجت فداسي في الساحات، وخرج بعض أبنائها إلى مدني، لا بحثًا عن صورة ولا صيدًا لموقف، بل وفاءً لأرض تعرف معنى الانتماء ولا تساوم عليه
وفي الجهة الأخرى، كان ابنها الشاذ عن السرب، خالد سلك، يتسكع بين عواصم الغربة، ثمل الخطاب، مترنح الموقف، يلوك أوهامه كما يلوك السكران لسانه، رجل لم يحتمل أن يرى أهله واقفين، فاختار أن يجلس في حضن الخيانة، ولم يطق صمود قريته، ففرح يوم دنست المليشيا ترابها، وهاتف قادتها مبتهجًا، يوزع التهاني بينما السوط يهبط على ظهور أهله، والنهب يطوف ببيوتهم، والذل يُساق إليهم سوقًا
لم تكن الخيانة هنا فكرة مجردة ولا موقفًا سياسيًا قابلاً للنقاش، بل كانت طعنة في لحم الأهل، أحدهم حكى لي في القضارف عن الرحلة المرة من فداسي إلى الفاو، عن طريق الخوف والجوع والخذلان، كان يلعن قريبه لا لأنه اختلف، بل لأنه اختار الطغاة على أهله، واختار الوهم على الدم، والميكروفون على الضمير
بالأمس، بقبق سلك بفمه، مزبدًا كعادته، لعلها شهقة الثمل حين يفيق فجأة ليجد جبل الجليد الذي بناه من الأكاذيب قد ذاب دفعة واحدة، السواد الأعظم الذي أقنع نفسه أنهم ضد القوات المسلحة ، خرجوا كاسحًين بقوة، متحدًين بالفعل لا بالثرثرة ، بالأمس، سكت سلك، وسكت من معه، صمت القبور لا صمت الحكمة، تواروا خلف الشاشات، يخفون سوءتهم الإعلامية، لا بيان ولا تغريدة ولا شجاعة كلمة
الشعب السوداني بالأمس قلب الطاولة التي كانوا يرقصون فوقها، كسر الإيقاع الذي عزفوه في صالات دبي، وأسكت جلبة الطبالين والراقصين ، لم يحتج إلى خطب طويلة ولا تنظير أجوف، قال كلمته بجسده في الشارع، وبموقفه في الساحة، وبانحيازه حيث يكون الوطن لا حيث تكون المنصة
إني من منصتي أنظر ….حيث أرى…. أن فداسي لم تخرج لترد على خالد سلك، خرجت لتضعه في حجمه الحقيقي: هامش صاخب أمام متن صامت، ظل متراقص أمام أصل ثابت، وصوت مبحوح أمام شعب قرر أخيرًا أن يتكلم بالفعل لا بالضجيج.



