مقالات الظهيرة

لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب… دلقو .. خروج على النص الوطني!!

لعمرك ما ضاقت بلادٌ بأهلها، ولكن أخلاق الرجال تضيق.

هذا بالضبط ما حدث لبعض أهل مدينة دلقو في الولاية الشمالية؛ إذ ضاقت أخلاقهم وتحرّجت صدورهم وهم يرون بعض إخوتهم من أهل السودان ممن مسّهم قرح الحرب، وأُخرجوا من ديارهم، وأوذوا في سبيل الله أيّما إيذاء من قِبل الجنجويد المجرمين، فلاذوا مستجيرين بديار السلام داخل وطنهم الكبير.

وهذا حقٌّ دستوري وقانوني وأخلاقي وإنساني، كفلته القوانين والأعراف، بل وكفله القانون الدولي كحقٍّ عام في حالات الحروب والكوارث.

فبأيّ وجه خرج هؤلاء المتظاهرون ضد وجود النازحين في منطقة سودانية خالصة، لا يملك فيها أحدٌ إلا كسر بيته ومزرعته بالحق والقانون؟

أما الحديث المنكر عن الهوية والخوف عليها من التغيير والتجريف، وانتحال صفة مدارَاتها والحفاظ عليها من التغوّلات، فهذه حالات تلبّسٍ جاهلية؛ إذ الهوية في هذا الوطن هي السودانية، أو “السودانوية” كما يصفها النقّاد، وهي مزاجٌ متجانس لكل المكوّنات السكانية والسلالات التي بثّها الخالق القدير في هذا الحيّز المكاني. وهي خلاصة الكسب الإنساني المعرفي في أساليب العيش وطرائق الحياة، وممارسة الحكم والإدارة، والأثر اللطيف في الفن والزي والغناء والطقوس والتديّن، والتفاعلات التجارية والتزاوج، والتلاقي في محطات العمل، وتشارك الوظائف، ومناهج التعليم، والخضوع لإرادة الدولة وحكم القانون.

كل ذلك بعيدًا عن شطط الاستعلاء القبلي الجهول، والغلوّ والتعالي، والاستغراق في وهم التميّز والنقاء. تلك قضايا قد حسمها الخالق سبحانه وتعالى بقوله: “إنا خلقناكم من تراب”، فوحدة الأصل الإنساني تقطع الطريق على الأدعياء.

إن مجرد الخروج على الملأ بهذه اللافتات الضارّة هو خروج عن أمر الله الذي أمر بإبلاغ المستجير مأمنه ولو كان مشركًا، وهو خروج عن التأسي بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، هو وصحبه المهاجرين، حيث مكثوا عقدًا من الزمان لائذين في المدينة. وهو خروج على صريح القانون، فضلًا عن الأخلاق السودانية وسمتها الكريم، وبالضرورة هو خروج لا يليق بميراث إنسان الشمال.

حتى الطير يجيها مهاجرٌ من أطرافٍ، تقيها شبعً، كما خلّد ذلك الشاعر سماعين ود حدّ الزين.

فإنسان الشمال سهل، شهم، كريم، ودود، عميق، عريق، فهيم، حكيم. ما تزال القدور في أثافيها تنضج الطعام والثريد في معسكرات النازحين على امتداد المدن والبلدات في نهر النيل والشمالية. وما يزال اسم ازهري المبارك يضيء في أفق التائهين كما يضيء النجم القطبي، يؤشّر لاتجاه الشمال، فتُضرب إليه أكباد الرواحل، ويتزاحم في مباركه الضيوف.

انتزع سيرة حاتم من قعر جراب التاريخ ونشر طيّها في زمانٍ يقلب فيه الناس الجنيه على وجوهه حتى يطلقوا أسره من جيوبهم.

الناس في الشمال دثّروا الأطفال من برد الشتاء، وأوقدوا نار الدفء والقرى والهداية. والناس في الشمال تنافسوا على حمل الطعام على رؤوس العز من نسائهم، وسواعد الجد من شبابهم، لا يرجون سوى تحقيق معنى أخوّة الوطن.

ألم يرَ هؤلاء الذين أغشى الله أبصارهم، ألم يروا كيف استقبلت الولايات في السودان، بمدنها وقراها، وكيف تفسّحت في المجالس حتى تؤوي النازحين؟

القضارف التي درّت ضروعها لتسقي العطاش الضاربين في الأرض ابتغاء الأمان، وأفردت أجنحتها الحانية لكل طارق في الهواجير أو بهيم الليالي، لم يتمعّر وجهها بخلًا ولا شحًّا.

وكسلا، تلك المتبسّمة النديّة الخجول، خرجت تجرّ ذيولها تستحلف المارّين على دخول الدار، وظلّت ترعاهم حكومةً ومواطنين، حتى إذا حان الوداع بعد استعادة واستقرار مناطقهم، ذرفت دمع الوداع ولوعة الفراق، كأنها تريدهم أن يبقوا عندها أكثر ، كما ضمت قبر والدتي الحبيبة ( الزينة عثمان ) واكتنزت رفاتها ذكرى ورباط وصل لا ينقطع ، حيث خرجت من الرماش في زمر الخوف والترقب ، خشية المجرم حميدتي فرعون عصره .

وبورتسودان، جوهرة البحر الغالية التي زيّنت جيد وطنها وخلبت الأنظار، كيف استطاعت مدينة أن تسع وطنًا بأكمله! حملته على ظهرها، هدهدت خوف الخائفين، وأنفقت سرًّا وعلانية حتى لا يبيت أحدٌ طاوي الحشى ليقول: جعتُ في حاضرة الشرق. وأصبحت قصر الحكم ومنصة إطلاق إرادة المغالبة في معركة المصير. مزجت مياه البحر بحلو حديثها، فأصبحت عذبة كالطفولة والأحلام، وخلّدت ذكراها في كل من التمس عندها عذرًا فأعذرته بالحسنى وزيادة.

كل هؤلاء وغيرهم كثير لم يسع المجال لذكرهم، لم يخشوا على ما يخشاه المتظاهرون من بعض أهل دلقو (الهوية).

أيّ هويةٍ هذه التي تعصف بكل قيمة، وتصادم كل قانون، وتجافي كل عرف، وتنشز على كل ما اجتمعت عليه الإنسانية في حق اللجوء؟ وليس مجرد نازحٍ حرّ في وطنه، وكل أجزائه له وطن دون استجداء لأحدٍ كائنًا من كان. أيّ هويةٍ هذه؟!

لعلها نفخة شيطان: “أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين”، ولعلها خديعة ماكر يستدرج الناس إلى كمين جديد.

ولعلها غاشية طيش ألمّت بهؤلاء، فأخرجتهم من وقار العقل إلى مذمّة هذا الفعل المقيت.

السودان وطن الناس جميعًا، أينما تولّوا فثمّ مستقرٌّ ومستودع بلا حرج.

فيا بعض أهل دلقو، من خرجتم معترضين على وجود النازحين من أهل السودان في دياركم: أأمنتم من في السماء أن يصرّف عليكم الأقدار، فتخرجون من دلقو حذر الموت، تلتمسون الأمان عند أهل هوياتٍ أخرى يخشون عليها كخشيتكم على هويتكم؟!

هذا، لعمري، خروجٌ على النص الوطني.

وتلك الأيام نداولها بين الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى