سوشال ميديا

حَجُّ 1447هـ… بين شَلَلِ المركز واستعدادِ الولايات…  ولاية الجزيرة تُنجِزُ واجبها كاملًا وتُلقي بالكرة في ملعب المجلس الأعلى ووزارة الشؤون الدينية

الظهيرة – تاج السر ود الخير:

فيما تمضي عقارب الزمن مسرعة نحو موسم حج 1447هـ، تتكشّف في السودان أزمة صامتة لكن خطيرة: الولايات أتمّت واجباتها، فيما لا يزال المركز – ممثَّلًا في المجلس الأعلى للحج والعمرة ووزارة الشؤون الدينية والأوقاف – غارقًا في بطءٍ إداري يهدِّد بنسف ترتيبات الحج لهذا العام، أو على الأقل تحميل الحجاج كلفة الإخفاق وسوء التخطيط.

 

من قلب ولاية الجزيرة، يخرج صوت إداري مسؤول، هو عبد الواحد عوض حسين، الأمين العام للحج والعمرة بولاية الجزيرة، ليقطع الشك باليقين: مشكلة حج 1447هـ ليست في الولايات، بل في مركز القرار بالخرطوم؛ في المجلس الأعلى للحج والعمرة، وفي تأخُّر التنسيق بينه وبين وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، في لحظة زمنية بالغة الحساسية ترتبط مباشرة بالمصفوفة الزمنية التي تفرضها المملكة العربية السعودية على جميع الدول الإسلامية.

 

تبدو الصورة واضحة: الزمن يقترب من لحظات الحسم، والولايات – وعلى رأسها ولاية الجزيرة – في كامل جاهزيتها، بينما لا يزال الملف في المركز يتأرجح بين طلب مقابلة واعتذار عن ضيق الزمن، وبين استعجال موسم لا ينتظر أحدًا.

 

منذ البداية، اختارت ولاية الجزيرة أن تواجه مسؤوليتها بجدية. عبد الواحد عوض حسين يؤكد اكتمال الترتيبات الإدارية في الولاية بشكل تام، موجهًا شكرًا صريحًا ومباشرًا للمنظومة التنفيذية بالولاية: والي الجزيرة، وزير المالية والاقتصاد والقوى العاملة، وزير التخطيط العمراني والإسكان والمرافق العامة، ووزير الصحة، الذين – رغم ظروف الحرب وتعقيدات الواقع – دفعوا العمل في ملف الحج خطوات واسعة إلى الأمام.

 

وزارة الصحة بولاية الجزيرة، بحسب ما أكده الأمين العام للحج والعمرة بولاية الجزيرة، تقف الآن على أهبة الاستعداد لإكمال كل الإجراءات المتعلقة بالكشف الطبي وتجهيز الحجاج، مع تواصل يومي ومنتظم بين وزير الصحة بالولاية والوزارة الاتحادية، إضافةً إلى التنسيق مع مندوب الوزارة الاتحادية الموجود بالمجلس الأعلى للحج والعمرة.

 

على الضفة الأخرى، يلعب وزير المالية في ولاية الجزيرة دورًا محوريًّا في الدفع اليومي بعجلة العمل الإداري والترتيبات الفنية في الإدارة العامة للحج والعمرة، فيما يتحمل وزير البنى التحتية مسؤولية إعادة التيار الكهربائي وتوفير الطاقة الشمسية وغيرها من الترتيبات الخدمية الأساسية. أما على مستوى التنمية والأثاثات والمعدات، فيؤكد عبد الواحد أن وزير المالية قطع شوطًا كبيرًا، حتى باتت ولاية الجزيرة نموذجًا في إكمال الترتيبات، رغم ظرف وطني استثنائي عنوانه الأبرز الحرب والاختناق الاقتصادي.

 

غير أن هذه الصورة الإيجابية على مستوى الولايات لا تُخفي أزمة أكبر على مستوى الدولة ككل. فبحسب عبد الواحد، ولايات السودان – من خلال قروب مشترك يجمع أمناء الحج والعمرة بالولايات والأقاليم، بما فيها دارفور – في تواصل يومي مع المسؤولين في المجلس الأعلى للحج والعمرة، وعبرهم مع الوزير المختص، وقد أتمت معظم ما يليها من ترتيبات مالية وإدارية.

 

لكن المشكلة – كما يصفها بوضوح شديد – ليست في الأطراف ولا في القواعد، بل في مركز القرار: المجلس الأعلى للحج والعمرة وما يعتري علاقته بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف من بطءٍ في الحسم وتأخُّر في الجلوس لاتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بحزم الخدمات وترتيبات الموسم.

 

يأتي ذلك في وقت لا يرحم؛ فملف الحج على مستوى العالم الإسلامي مرتبط بالمملكة العربية السعودية ببرنامج مصفوفة زمنية صارم، تمضي مهلُه بسرعة، فيما لا يزال السودان – وبالأخص المجلس الأعلى ووزارة الشؤون الدينية – في مرحلة “خطوات تنظيم” داخلية؛ خطوات قد تكون كلفتها النهائية على الحاج السوداني نفسه.

 

وسط هذا المشهد، تم تعيين أمين عام جديد للمجلس الأعلى للحج والعمرة، هو عبد الله سيد محمد علي، القادم من أمانة الحج والعمرة بإقليم النيل الأزرق. اختيار الرجل – كما يروي عبد الواحد – لم يأتِ من فراغ؛ فهو صاحب مسيرة مهنية طويلة بدأت من الدرجة التاسعة حتى بلغ الدرجات العليا، وخبرة متراكمة في كل مستويات العمل الحجّي: من موظف ميداني، إلى أمير فوج، إلى عضو بعثة، فرئيس حملة، ثم نائب أمين، قبل أن يصبح أمينًا عامًا للبعثة.

 

أمناء الحج والعمرة في الولايات يعلنون بوضوح أنهم وضعوا أيديهم في يد الأمين العام الجديد ويد الوزير المختص، استعدادًا للانطلاق الجاد في ترتيبات حج 1447هـ. لكن هذه الرغبة تصطدم بعقبة ملحّة: تأخير اللقاء الحاسم بين الأمين العام الجديد ووزير الشؤون الدينية والأوقاف، الجنرال بشير هارون عبد الكريم، بحجة ارتباطات زمنية سابقة للوزير، في وقت يقول فيه الواقع إن دقيقة واحدة باتت تساوي كثيرًا في ميزان الزمن الحجّي.

 

هنا تتجلى “العقدة” التي ينبه إليها الأمين العام للحج والعمرة بولاية الجزيرة: حزم الخدمات – في السكن، الترحيل، الإطعام، وكل ما يتعلق براحة الحاج – ليست ملفًا فنيًا عابرًا يمكن أن يُدار بواسطة لجنة معزولة عن الولايات وخبرتها المتراكمة. اختيار حزم الولايات، كما يؤكد، حق أصيل لأمناء الولايات، لأن كل ولاية تعرف “مزاج حجاجها” واحتياجاتهم وخصوصياتهم وظروفهم.

 

هذا الحق – كما يذكّر – لم يُنتزع إلا في فترة “قحت”، حين تم سلب دور الولايات في اختيار حزم الخدمات، وتكوين لجنة مركزية أدارت الملف بضعفٍ وارتباك، حتى انتهى بها الأمر إلى موسم لم يُستكمل، وجاءت جائحة كورونا لتقطع الطريق على أي محاولة لتصحيح المسار، وكأن الأقدار حكمت على نهجٍ إداري خاطئ بأن لا يُكتب له النجاح.

 

وهنا يبرز استثناء مهم وبارز يُثبَت في صفحة من صفحات الإنصاف الإداري؛ إذ يُسجَّل للأمين السابق للمجلس الأعلى للحج والعمرة، سامي الرشيد، أنه كان علامة فارقة وسط ذلك الاضطراب:

استطاع بصلابة موقفه ووضوح رؤيته أن يسترجع استحقاقات الولايات المسلوبة، وأعاد لها دورها الأصيل، وأشركها فعليًّا في اختيار حزم الخدمات، ففتح الباب من جديد لشراكة حقيقية بين المركز والولايات، قائمة على احترام الخبرة الميدانية والعدالة في توزيع القرار والمسؤولية. لقد مثّل سامي الرشيد نموذجًا للإدارة التي لا تهادن في حقوق الولايات، ولا تساوم في مبدأ إشراكها، وهو ما تثمنه اليوم الولايات وتطالب باستكماله والبناء عليه لا التراجع عنه.

 

اليوم، مع تعيين أمين عام جديد للمجلس الأعلى، ووجود وزير ذي خلفية عسكرية وإدارية، يعلو صوت الولايات مطالِبًا بإعادة الأمور إلى نصابها: المجلس الأعلى على مستوى الإشراف والتنفيذ بالاشتراك مع الولايات ووزير الشؤون الدينية والأوقاف على مستوى الإشراف والسياسات والتخطيط ، وأمناء الولايات على مستوى المعرفة المباشرة والحس الميداني بحجاجهم حاجاتهم واختيار حزم الخدمات.

 

النداء هذه المرة ليس نداءً بروتوكوليًا، بل إنذارًا مبكرًا بما يمكن أن يحدث إن استمر التعطيل. الأمين العام للحج والعمرة بولاية الجزيرة يقولها بلا تردد:

إذا جرى تجاوز الولايات في ملف حزم الخدمات، وإذا أوكلت الاختيارات إلى لجنة لا تملك الدراية الكافية بخصوصيات حجاج الأقاليم والولايات، فإن أمناء الولايات يعلنون من الآن أنهم لا يتحملون مسؤولية أي إخفاقات قد تترتب على هذا التهميش.

 

في المقابل، يؤكدون استعدادهم الكامل لتنفيذ أي تكاليف أو توجيهات تصلهم من المجلس الأعلى والوزارة، “حسب الحاجة التي يريدونها هم”، لكن بشرط أن يكون للولايات دور حقيقي في صياغة حزم الخدمات، لا دور المتفرج الذي يتحمل الكلفة دون أن يشارك في القرار.

 

إنها رسالة سياسية وإدارية في آن واحد:

لن يقبل أمناء الولايات أن يكونوا “كبش فداء” لإخفاقات مركزية، ولن يسمحوا أن تُلقى على عاتقهم مسؤولية قرارات لم يكونوا جزءًا من صناعتها.

 

في ظل هذا الواقع، تتبلور مطالب واضحة ومباشرة يطرحها الأمين العام للحج والعمرة بولاية الجزيرة، ليس باسمه فقط، بل بلسان أمناء الولايات كافة:

 

– ضرورة جلوس وزير الشؤون الدينية والأوقاف مع الأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة “بأعجل ما يكون”.

– منح مساحة زمنية حقيقية للقاء يضم الأمين العام وأمناء الولايات، حتى ينطلق العمل، ويتحرّك المجلس والولايات معًا لصياغة حزم الخدمات وفقًا للمصفوفة الزمنية المفروضة من المملكة.

– رفض قاطع لإدارة ملف حزم الخدمات عبر لجنة مركزية معزولة، دون إشراك فعّال للولايات التي تتحمل في النهاية مسؤولية الحاج أمام مجتمعاتها.

– تأكيد أن الأمين العام الجديد لا يتحمل تبعات الفترة السابقة، وأن من الظلم ربط أدائه بماضٍ لم يكن جزءًا منه، بل يجب تمكينه الآن من أدوات الفعل ومساحات القرار.

 

على مستوى التحليل، يظهر جليًّا أن الخطر الأكبر اليوم ليس في نقص الموارد، ولا في عجز الولايات، بل في “التردد الإداري” و”التباطؤ السياسي” في مركز القرار. فالمملكة لا تنتظر، والمصفوفة الزمنية لا تتوقف، وخدمات الحج لا تُبنى في أيام، بل تحتاج إلى تعاقدات، وتنسيق، وضمانات، وضبط دقيق لموعد كل خطوة.

 

أي تأخير إضافي في حسم ملف حزم الخدمات، وأي إصرار على إدارة هذا الملف بمعزل عن الولايات، يعني ببساطة تعريض حجاج السودان إلى موسم مرتبك، تتكرر فيه شكاوى السكن، والنقل، والإطعام، والخدمات الصحية، ثم يبدأ مسلسل التباكي بعد انتهاء الموسم، في وقت كان من الممكن – بل من الواجب – أن تُحسم الأمور اليوم، لا غدًا.

 

في المقابل، تقف ولاية الجزيرة اليوم شاهدة على نموذج آخر: نموذج ولاية أدت ما عليها، وأكملت ترتيباتها، واستنفرت طاقاتها التنفيذية في أصعب ظروف تمر بها البلاد.

كل ما يتعلق بالإجراءات الإدارية مكتمل.

وزارة الصحة جاهزة.

وزير المالية يدفع العمل يوميًا.

وزير التخطيط العمراني والبنى التحتية يهيئ الأرضية الخدمية.

المعدات والأثاثات والتجهيزات قطعت شوطًا كبيرًا.

والتنسيق مع المركز جارٍ بلا انقطاع.

 

بهذا المعنى، فإن ولاية الجزيرة لا تقف في خانة الشكوى، بل في خانة الحجة: فعلنا ما علينا، فافعلوا ما عليكم.

 

في خاتمة المشهد، يبقى السؤال الحاسم: هل يستجيب وزير الشؤون الدينية والأوقاف والأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة لنداء الزمن ونداء المسؤولية، قبل أن يُقفل باب الفرصة وتُفتح أبواب المعاناة على حجاج السودان؟

 

الرسالة واضحة لا تحتمل التأويل:

الوقت لم يعد يسمح بالمجاملة أو التسويف.

حزم الخدمات إن لم تُصَغْ بشراكة حقيقية مع الولايات، فستكون قنبلة إخفاق موقوتة تنفجر في وجه الدولة والولايات معًا، لكن لن يقبل أمناء الولايات أن يكونوا شماعة الفشل.

 

ولاية الجزيرة أعلنتها بوضوح: ترتيباتنا اكتملت، وواجبنا أديناه، وملفنا جاهز.

وإن تعثّر موسم حج 1447هـ، فلن يكون ذلك بسبب ولايةٍ عملت في صمت، بل بسبب مركزٍ تأخر في الحسم، في وقتٍ لا يرحم فيه الزمن المترددين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى