سوشال ميديا

​حصار الضمير.. وصاية “استخباراتية” تصادر إرادة المشاركين ببرلين

الظهيرة – تقرير: خاص :

يرصد هذا التقرير الحقوقي خرقاً جسيماً للمبادئ الدستورية والمعايير الدولية، تمثل في تدخل أمن المليشيا لتعديل قوائم المشاركين في مؤتمر برلين. إن استخدام “التحري الأمني” عن المواقف السياسية والاجتماعية كمعيار للأهلية، يعد انتهاكاً صارخاً للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. هذا المسلك الإقصائي لا يفسد عدالة التمثيل فحسب، بل يضع الأطراف الدولية المنظمة في مواجهة مسؤولية أخلاقية تجاه حماية المدنيين والنشطاء من السطوة الاستخباراتية التي تحاصر حرياتهم وتصادر حقهم في التعبير الحر.

​■ وصاية أمنية:

قامت أجهزة استخبارات المليشيا بفرض وصاية كاملة وغير قانونية على قوائم المرشحين التي قدمها قادة مدنيون، حيث جرى التدقيق في الأسماء بمنظور أمني استقصائي بحت، مما يمثل خروجاً سافراً عن مقتضيات العمل السياسي المدني القائم على التعددية والاستقلالية، ويؤكد أن المليشيا تتعامل مع حلفائها المدنيين كابعين لا كشركاء، فارضةً عليهم قيوداً أمنية تمنعهم من اختيار الشخصيات الوطنية القادرة على قول الحقيقة في المحافل الدولية المهمة.

​■ تفتيش رقمي:

تحول النشاط الافتراضي للمرشحين على منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة للمطاردة الأمنية، حيث تم رصد كل تعليق أو موقف يتعلق بالأحداث الجارية منذ اندلاع الحرب، واستُخدمت هذه الآراء الشخصية كذريعة واهية لاستبعاد الشخصيات التي لا تبدي ولاءً مطلقاً وتماهياً كاملاً مع الخطاب الإعلامي للمليشيا، وهو ما يمثل انتهاكاً لخصوصية الأفراد وحقهم في التعبير عن مواقفهم الإنسانية والسياسية بعيداً عن الرقابة البوليسية المتغولة.

​■ استبعاد استراتيجي:

هذا الإقصاء طال بشكل فج ومركّز كل من جهر برأيه حول مأساة مناطق “دار زغاوة” وما تعرضت له من انتهاكات، حيث اعتبرت استخبارات المليشيا أن هذا التضامن الإنساني يتناقض مع خطها السياسي الرامي لتجميل صورتها، مما يعكس رغبة في فرض تعتيم كامل ومنظم على الانتهاكات الميدانية، وضمان أن يكون الوفد المتوجه لبرلين خالياً من أي شخص قد يثير ملفات حقوق الإنسان أو يتحدث بلسان الضحايا والمكلومين.

​■ قيد قسري:

اتخاذ المواقف الشخصية المنشورة سابقاً معياراً للإقصاء من المشاركة السياسية يرقى إلى مستوى القيد غير المشروع على حرية الرأي، وهو حق مكفول بموجب العهود والمواثيق الدولية، مما يشير بوضوح إلى أن الجهة المعنية تستخدم نفوذها الأمني لفرض “اصطفاف قسري” يتنافى مع قيم الديمقراطية والشفافية، ويهدف لخلق مناخ من الإرهاب الفكري يمنع النشطاء والسياسيين من اتخاذ مواقف مستقلة تخالف هوى القوة العسكرية المسيطرة.

​■ إساءة السلطة:

تندرج هذه الممارسات ضمن توصيف “إساءة استعمال السلطة” لتحقيق غايات سياسية ضيقة، حيث يتم استخدام الأجهزة الأمنية لتوجيه العمل الدبلوماسي والمدني قسراً، وهو ما يقوض مبدأ الاستقلالية المفترض توافره في تمثيل الأطراف في المحافل الدولية الهامة، ويحول المشاركة في مؤتمر برلين من استحقاق وطني إلى مكافأة استخباراتية تُمنح فقط لمن يثبت قدرته على الصمت تجاه الجرائم أو الترويج للأكاذيب التي تخدم أجندة المليشيا.

​■ تدمير المداولات:

يؤثر هذا السلوك الاستخباراتي سلباً على مصداقية المؤتمر ونزاهة مداولاته المرتقبة، فإعادة تشكيل الوفد على أسس غير موضوعية تجعل من مخرجاته مجرد صدى لخطاب محدد سلفاً ومُعد في غرف العمليات النفسية، مما يحرم السودان من فرصة حقيقية لنقاش جاد وشامل حول جذور الأزمة، ويحول المنصة الدولية إلى أداة لشرعنة التمرد عبر تمثيل مدني مُزييف تم اختياره بعناية لتجنب إثارة القضايا الحساسة والمصيرية.

​■ تقويض الثقة:

يؤدي هذا النهج الاستخباراتي الإقصائي إلى إضعاف شرعية المخرجات الوطنية، لكونها صادرة عن تمثيل غير متوازن ومُهندس مسبقاً في غرف الأمن، مما يقوض الثقة المهتزة أصلاً بين الأطراف المشاركة ويزيد من تعقيد المشهد السياسي السوداني بدلاً من إيجاد مخارج حقيقية، ويؤكد أن أي اتفاق يتم التوصل إليه مع وفود تفتقر للشرعية الشعبية والاستقلالية لن يكون ملزماً للشعب السوداني الذي يرفض الوصاية الأمنية بكل أشكالها.

​■ تغول استخباراتي:

هذه الوقائع الموثقة تُظهر نمطاً خطيراً من التدخل الأمني الذي يهدف لضبط المجال العام بما يتوافق مع مصالح المليشيا فقط، وذلك على حساب المبادئ الأساسية للشفافية والعدالة، مما يعزز بيئة الإقصاء ويضع السودان في عزلة سياسية مستدامة، ويبرهن للعالم أن هذه المليشيا لا تؤمن بالحوار بل بالسيطرة، ولا تحترم العهود بل تسعى لتطويعها لخدمة مشروعها السلطوي عبر أدوات القمع الأمني والرقابة الاستخباراتية اللصيقة.

​■ بشارة النصر:

عموما فان استهداف حرية الرأي بجعلها سبباً للإقصاء من التمثيل الدولي يمثل قمة الانحدار في الممارسة السياسية السودانية. هذا التقرير يدق ناقوس الخطر حول تحويل الحوارات السياسية إلى غنائم استخباراتية تُصاغ تحت تهديد الرقابة. إن صمت القوى السياسية عن هذا التغول يمنحه شرعية زائفة تضر بمستقبل البلاد. يجب وقف هذا المسار لضمان أن تظل برلين منصة للحقوق والعدالة، لا ساحة لتصفية الحسابات الأمنية ضد كل صوت شجاع يرفض الظلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى