سوشال ميديا

بين أنقاض الحرب.. نساء “عترة العباسية” ينتصرن للحياة بالإبداع والصلابة

ودمدني – الظهيرة :

في قلب ولاية الجزيرة، حيث لا تزال ذاكرة الحرب حديثة العهد، وتتداعى تحديات ما بعد النزاع، تأبى نساء حي عترة العباسية إلا أن يكتبن فصلًا جديدًا من فصول الصمود. تحت مظلة “المقاومة الشعبية والاستنفار”،.

وبشراكة مجتمعية فاعلة، انطلقت دورة تدريبية غير عادية لتمكين المرأة بالمهارات الحياتية والحرف اليدوية.

لتحويلهن من متلقيات للمساعدات إلى فاعلات ومنتجات في المجتمع، حاملات معاول إعادة الإعمار ورماد الحرب، ليحولنه إلى منجزات تروي قصة كفاح وإرادة.

من الدفاع بالسلاح إلى البناء بالمهارة: مقاومة شعبية تتبنى تمكين المرأة

كلية المجتمع: جسر أكاديمي يصل إلى القاعدة.. شراكات ذكية لتعافي المجتمع

· أميرة عثمان والـ 76 دارسة: ورشة إبداع تنتج من “الخميرة” إلى “العطور السودانية”

· هناء آدم تتحدث: “الدورة نقلتنا من المستحيل إلى الواقع”

· لجنة المرأة بالمقاومة: رؤية استراتيجية لفتح أسواق واستدامة الإنتاج

· رئيس المقاومة: المرأة جدار الصد القيمي في مواجهة الانحرافات
· مبادرة “إنجاز”: شركاء في استدامة التنمية وبناء الإنسان

خاص: الظهيرة

لم يكن حفل تخريج الدفعة الأولى من متدربات دورة “المهارات المنزلية والأعمال اليدوية” مجرد كرنفال احتفالي عادي، بل كان مشهدًا يعيد تعريف معنى “المقاومة”.

هنا، حيث كانت الأسلحة تدافع عن الأرض، أصبحت الإبرة، والخامة، ومواد التجميل الطبيعية، أدوات لمقاومة جديدة؛ مقاومة الفقر واليأس وإرث الحرب الثقيل.

بتنظيم من المقاومة الشعبية والاستنفار بمحلية مدني الكبرى (لجنة المرأة) في حي عترة العباسية، وتحت إشراف المدربة أميرة محمد عثمان، استقبلت عشرات الدارسات برنامجًا تدريبيًا مكثفًا تحول إلى منصة للإبداع. لم تكن الدورة مجرد تعلم لحرفة، بل كانت رسالة تمكين.

تقول هناء آدم محمد، إحدى المتخرجات: “تعلمنا في وقت الصعب كيف نتصرف كنساء وننجز، ونعمل من البسيط شيء كبير. الدورة نقلتنا من المستحيل إلى الواقع”.

كلمات هناء لخصت جوهر التجربة، التي لم تهدف فقط لتعليم “صناعة الصابون” و”المعجنات” و”الخرز”، بل لبناء ثقة المرأة بنفسها وقدرتها على العطاء رغم الظروف.

**شراكة مؤسسية ذكية.. والجامعة تصل إلى القاعدة

جاءت كلمة د. معتصم محمد العجب، عميد كلية المجتمع بجامعة الجزيرة، ممثلًا لمدير الجامعة بروفيسور صلاح الدين محمد العربي، لتؤكد على عمق الشراكة بين المؤسسة الأكاديمية والحراك المجتمعي.

وأوضح الدكتور معتصم أن هذه الفعالية “تمثل كلية المجتمع في أسمى معانيها”، مؤكدًا أن الكلية التي أنشئت عام ٢٠٠٤م بقرار من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تضع تمكين المرأة في صلب أولوياتها.

وأضاف عميد الكلية في كلمته التفصيلية: “على مدى عقدين، خرّجت الكلية أكثر من ١٠,٨٥٠ دارساً ودارسة من خلال ٢٥٠ دورة تدريبية متنوعة، عبر شبكة من ١٥ مركزاً منتشراً في كل محليات الولاية”.

وأشار إلى التطور الاستراتيجي الذي شهدته الكلية: “تحولنا من المقررات الطويلة مدتها ستة أشهر في خمسة تخصصات أساسية تشمل الصحة العامة والجماليات والغذاء والتغذية والدراسات الإسلامية والدراسات البيئية.

إلى نموذج أكثر مرونة قائم على الدورات القصيرة المتخصصة التي تستجيب لاحتياجات المجتمع المتغيرة”.

وتوجه الدكتور معتصم برؤية توسعية: “أدعو أهالي الحي لتبني مبادرة إنشاء مركز متنقل لكلية المجتمع، يمكن أن يتبع لفرع المزاد أو جزيرة الفيل، لضمان استمرارية وصول خدماتنا التدريبية”.

وأكد استعداد الكلية لتعزيز التعاون مع لجان المقاومة الشعبية، قائلاً: “لدينا شراكات ذكية ونمتلك خبرات تراكمية، ونحن على أتم الاستعداد لبناء شراكة تكاملية تجمع الأكاديمي بالميداني”.

كما ختم كلمته بتقدير التحية: “نشكر الله ثم جيشنا الهمام ووحدات الإسناد في المقاومة الشعبية والاستنفار الذين ساهموا في تحرير أرض الجزيرة الطيبة وإعادة عجلة الحياة إلى طبيعتها. وما نحتاجه الآن هو التماسك والتعاون من أجل النهضة بهذا البلد”.

**رؤية قيادية: المرأة جدار الصد القيمي والاقتصادي

من جانبه، أشار اللواء ركن (م) هشام عبد الرحيم أحمد، رئيس المقاومة الشعبية بمحلية مدني الكبرى، إلى أنه “انبهر” بما شهده الحي من احتشاد مجتمعي.

ووصف دور المرأة بأنه محوري لا في مجال الإنتاج فحسب، بل كـ “جدار صد قيمي وتربوي” في ظل التحديات المعلوماتية والتهديدات الأخلاقية التي يتعرض لها المجتمع. وأكد أن لجنة المرأة بالمقاومة تسعى لمعالجة آثار الحرب عبر “العقد المجتمعي والانتاجي”، من خلال فتح أسواق لعرض منتجات المرأة والحرفيات.

** مبادرة إنجاز: استدامة التنمية

كما عبر ممثل مبادرة “إنجاز” عن فخره بختام الدورة، مؤكدًا أن رسالتهم للشباب هي أن “العمل والجهد يثمر نتائج طيبة”. وأكد استعداد المبادرة للعمل “بقدم وساق” مع كل الجهات والجمعيات والكليات الداعمة للأنشطة التنموية الهادفة لتنمية الإنسان.

**إنجاز ملموس.. وأمل متجدد

أشارت المدربة أميرة محمد عثمان إلى تنوع المهارات التي تم تدريب ٧٦ دارسة عليها، شملت: صناعة المعجنات والألبان ومنتجاتها، وعمل الخميرة والجلسرين السائل والصابون، والحلويات بمختلف أنواعها، والعطور السودانية، وخياطة الشنط والفوط، وأعمال الخرز.

بينما أكدت مسؤولة لجنة المرأة بالمقاومة الشعبية أنهم يسعون لفتح أسواق للمرأة لعرض منتجاتها، وشكرت المتدربات على “صبرهن واستيعابهن للدورة وانتاجهن المتميز”.

**خاتمة تحليلية أقوى وأشمل:

ختامًا، لا يمكن قراءة فعالية حي عترة العباسية بمعزل عن المشهد الأوسع في السودان ما بعد النزاع. هذه التجربة ليست مجرد “دورة تدريبية”، بل هي نموذج أولي لطريق التعافي الوطني.

إنها تقدم نموذجًا يجمع بين: “المقاومة الشعبية” التي تحولت من حالة الدفاع إلى حالة البناء، و”المؤسسة الأكاديمية” التي خرجت من برجها العاجي لتمس حاجة المجتمع، و”المبادرات الأهلية” كمبادرة “إنجاز” التي تضخ روح الاستدامة في المشروعات.

الأهم من ذلك، أنها تضع “المرأة” في قلب هذه المعادلة، ليس كمتلقٍ للعون، بل كفاعل رئيسي وقائد اقتصادي واجتماعي.

إن إنتاج “الصابون” و”الشنط” و”الجبن” في ورشة بسيطة، هو في حقيقته خطوة عملية نحو بناء السلام المستدام، لأنه يعالج جذور الإحباط ويوفر بدائل اقتصادية ويثبت أن المجتمع قادر على النهوض بذاته.

نجاح هذا النموذج يضع مسؤولية على عاتق جميع الأطراف لتعميمه وتوسيع نطاقه، والاستثمار في “مقاومة الإبداع” التي تنتصر للحياة، لتكون الإجابة الأقوى على كل دعوات اليأس والانهيار. المستقبل يبدأ من هنا، من بين أيادي نساء انتصرن على المستحيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى