المخدرات.. السم الذي يتسلل إلى جسد الوطن… قراءة وطنية في اقتصاد المخدرات وضرورة اجتثاثه من جذوره

رؤى وطنية — نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
أبوعبيدة أحمد علي
=================
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
قرأت باهتمام بالغ مقال الدكتور محمد عوض محمد متولي، المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات، حول التحول الخطير في طبيعة تجارة المخدرات في السودان، وما أورده من أرقام وضبطيات ومعلومات عن معامل إنتاج المخدرات وطاقاتها التصنيعية.
ولست أخفي أنني خرجت من قراءة المقال بدهشة ممزوجة بقلق عميق؛ فالأرقام التي ساقها الدكتور محمد عوض ليست أرقاماً عابرة، ولا مجرد أخبار أمنية تتناقلها الصحف ثم تنتهي بانتهاء الخبر، وإنما هي جرس إنذار وطني ينبغي أن تسمعه الدولة بكل مؤسساتها، وأن يصل صداه إلى كل بيت سوداني.
إننا أمام خطر يتجاوز المخدرات بوصفها جريمة جنائية؛ نحن أمام خطر يلامس أمن الدولة، واقتصادها، ومستقبل شبابها، وسلامة مجتمعها، بل ومستقبل أجيال كاملة.
من بلد عبور إلى بيئة تصنيع
بحسب المعلومات الواردة في المقال المشار إليه، فقد كشفت السلطات خلال فترة قصيرة عن مصانع متكاملة لإنتاج المخدرات، وضبطت كميات ضخمة من الكبتاجون والترامادول والكوكايين والحشيش الصناعي، فضلاً عن المواد الخام المستخدمة في التصنيع.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض المنشآت المضبوطة كانت تمتلك قدرات إنتاجية هائلة؛ إذ أشير إلى منشأة تضم آلة قادرة على إنتاج 100 ألف حبة في الساعة، مع مواد خام تكفي لإنتاج مئات الملايين من الحبوب.
ولنا أن نتوقف قليلاً أمام هذا الرقم.
مئات الملايين من الحبوب!
من كان يمكن أن تصل إليه هذه السموم؟
ومن كان سيشتريها؟
وكم شاباً وكم أسرة وكم بيتاً كان يمكن أن تدمره لو وصلت هذه الكميات إلى الأسواق؟
إن القضية هنا لم تعد قضية تاجر يقف في زاوية شارع ومعه بعض الحبوب؛ بل نحن أمام مؤشرات على شبكات منظمة، ورؤوس أموال، ومواد خام، ومعدات، ووسائل نقل، وقنوات توزيع، وربما امتدادات داخلية وخارجية.
وهنا تحديداً يجب أن تنتقل الدولة من التعامل مع الظاهرة باعتبارها جرائم متفرقة إلى التعامل معها باعتبارها تهديداً استراتيجياً للأمن القومي السوداني.
المخدرات لا تقتل الفرد وحده.. بل تقتل المستقبل
الحرب مهما بلغت قسوتها تنتهي يوماً، والمدن يمكن إعادة إعمارها، والمصانع يمكن إعادة تشغيلها، والطرق يمكن تعبيدها من جديد.
لكن ماذا نفعل إذا خرج من الحرب جيل فقد قدرته على التعلم والعمل والإنتاج بسبب المخدرات؟
إن أخطر ما في انتشار المخدرات ليس الحبة ذاتها، وإنما الإنسان الذي يتحول بسببها من طاقة بناء إلى طاقة هدم.
والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى شبابه.
نحتاج إلى الشاب الذي يحمل المعول ليبني، والقلم ليكتب، والمبضع ليعالج، والحاسوب ليبتكر، والمحراث ليزرع، والمصنع ليُنتج.
ولا نحتاج إلى يد تمتد إلى حبة مخدرة.
ولهذا فإن مواجهة المخدرات ليست مسؤولية شرطة مكافحة المخدرات وحدها، وإنما هي معركة مجتمع ودولة.
تحية واجبة لشرطة مكافحة المخدرات
وفي هذا المقام، لا بد من الإشادة برجال شرطة مكافحة المخدرات وكل الأجهزة التي تعمل في صمت بعيداً عن الأضواء، وتخوض معركة شاقة ضد شبكات تمتلك المال والخبرة والوسائل.
إن حجم الضبطيات المشار إليها يكشف أن هناك جهوداً كبيرة تُبذل.
ولكن حجم الخطر أيضاً يقول لنا إن المطلوب أكبر بكثير.
نحن بحاجة إلى رفع قدرات الإدارة العامة لمكافحة المخدرات من حيث:
– التدريب النوعي المتقدم.
– المختبرات والأجهزة الفنية الحديثة.
– وسائل الرصد والتتبع والتحليل المالي.
– مراقبة المواد الكيميائية التي يمكن استخدامها في تصنيع المخدرات.
– تعزيز وحدات مكافحة الجريمة المنظمة.
– تطوير التعاون الاستخباري مع دول الجوار والمنظمات الدولية.
– إنشاء قواعد بيانات متقدمة للشبكات والمشتبه بهم ومسارات التهريب.
– دعم الكوادر البشرية وحمايتها وتوفير الإمكانات التي تمكنها من أداء واجبها.
فالعدو الذي يستخدم التكنولوجيا والمال والشبكات العابرة للحدود لا يمكن مواجهته بأدوات تقليدية وحدها.
وسؤال مشروع إلى مؤسسات العدالة
وهنا أطرح، بكل احترام ودون اتهام أو تجنٍ على أحد، سؤالاً وطنياً مشروعاً إلى رئيس القضاء، ورئيس مجلس الوزراء، ووزير الداخلية، والنائب العام، ووزير العدل، ومدير عام الشرطة، ومدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات:
أين تنتهي قضايا كبار تجار المخدرات وأصحاب معامل التصنيع بعد ضبطهم؟
لا أقصد التشهير بأحد، ولا أطالب بإدانة إنسان قبل محاكمة عادلة؛ فالقانون فوق الجميع، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي.
لكنني أتساءل عن سرعة إجراءات العدالة وشفافيتها وفاعليتها.
فإذا كانت الأجهزة الأمنية تبذل جهداً كبيراً في ضبط المصانع والكميات والشبكات، فإن نجاح المعركة لا يكتمل عند باب الحراسة أو السجن.
النجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول الضبطية إلى ملف قضائي مكتمل، ومحاكمة عادلة وناجزة، وحكم معلن وفق القانون، واسترداد للأموال والأصول غير المشروعة.
إن إطالة أمد الإجراءات في جرائم بهذا الحجم قد تبعث رسالة خاطئة إلى المجتمع والمجرمين معاً.
نحن لا نريد محاكمات استثنائية، ولا أحكاماً انتقامية، ولا تجاوزاً للقانون.
نريد العكس تماماً:
نريد قانوناً قوياً، ومحاكمة عادلة، وعدالة ناجزة، وأحكاماً رادعة، وإعلاناً شفافاً للنتائج وفق ما يسمح به القانون.
لماذا لا نرى أثراً رادعاً يتناسب مع حجم الخطر؟
هذا سؤال آخر أضعه أمام الجهات المختصة:
إذا كانت كميات المخدرات المضبوطة بهذا الحجم، وإذا كانت هناك معامل صناعية ذات قدرات إنتاجية هائلة، وإذا كانت الشبكات تعمل بأموال ضخمة ووسائل تقنية متقدمة، فأين هي الأحكام القضائية الرادعة التي تصل إلى علم الرأي العام؟
هل المشكلة في نقص الأدلة؟
أم في بطء الإجراءات؟
أم في ضعف الإمكانات الفنية؟
أم في نقص الكوادر المتخصصة؟
أم في تعقيدات الحرب التي أثرت في مؤسسات العدالة؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تكون اتهاماً لأحد، وإنما ينبغي أن تكون مدخلاً لمراجعة وطنية جادة.
فالعدالة التي لا تصل إلى نهايتها تفقد الجريمة جزءاً من رهبتها، والعقوبة التي لا تُرى آثارها تفقد قدرتها على الردع.
نحتاج إلى قانون يضرب الشبكة لا الحلقة الصغيرة
المعركة الحقيقية ليست مع الشاب الذي وقع ضحية للإدمان فقط.
الشاب المدمن في كثير من الحالات ضحية قبل أن يكون مشكلة، ويحتاج إلى العلاج والتأهيل وإعادته إلى المجتمع.
أما الهدف الأكبر فيجب أن يكون:
المُصنِّع، والمموِّل، والمهرِّب، والموزع، وغاسل الأموال، ومن يوفر الحماية، ومن يستغل المؤسسات أو النفوذ لتسهيل هذه التجارة.
هؤلاء هم الذين يجب أن تصل إليهم يد القانون.
ولذلك فإن أي تشريع جديد لمواجهة هذه الجريمة ينبغي أن يركز على تفكيك الشبكات المالية واللوجستية، ومصادرة الأموال والأصول التي تثبت علاقتها بالجريمة، وتجريم تمويل عمليات التصنيع والتهريب، وتشديد الرقابة على المواد الكيميائية والمعدات التي يمكن استخدامها في صناعة المخدرات.
فمصادرة شحنة مخدرات مهمة، ولكن تفكيك الشبكة التي أنتجتها ومولتها ووزعتها أهم بكثير.
الحرب لا ينبغي أن تصبح سوقاً للمخدرات
الحرب تخلق فراغاً أمنياً واقتصادياً واجتماعياً، وهذا الفراغ قد تستغله الجريمة المنظمة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتداخل تجارة المخدرات مع اقتصاد الحرب.
حين تصبح المخدرات مصدراً لتمويل السلاح، يتحول المخدر من جريمة جنائية إلى وقود للصراع.
وحين تنتشر المخدرات وسط الشباب الذين فقدوا التعليم والعمل والاستقرار، فإننا لا نخسر معركة اليوم فقط، وإنما نخسر معركة الغد.
ومن هنا فإن مكافحة المخدرات يجب أن تكون جزءاً من خطة الدولة لما بعد الحرب، لا ملفاً أمنياً هامشياً.
سبع خطوات عاجلة
أقترح، من موقع المواطن المهموم بمستقبل وطنه، حزمة إجراءات عملية:
أولاً: إنشاء غرفة أو قيادة وطنية مشتركة لمكافحة اقتصاد المخدرات والجريمة المنظمة، تضم الأجهزة الأمنية والعدلية والمالية والرقابية.
ثانياً: الإسراع في إنشاء منظومة قضائية متخصصة أو دوائر متخصصة للنظر في جرائم المخدرات الكبرى والجريمة المنظمة، بما يضمن سرعة الفصل دون الإخلال بحقوق المتهمين وضمانات المحاكمة العادلة.
ثالثاً: تتبع الأموال المرتبطة بتجارة المخدرات، وتجميد ومصادرة الأصول التي تثبت صلتها بالجريمة وفق أحكام القضاء.
رابعاً: تشديد الرقابة على المواد الكيميائية والمستحضرات التي يمكن استخدامها في تصنيع المخدرات، مع نظام إلكتروني لتتبع الاستيراد والتخزين والاستخدام.
خامساً: تطوير قدرات مكافحة المخدرات فنياً واستخبارياً، وإنشاء منظومة وطنية لتحليل المعلومات والربط بين الضبطيات المختلفة لاكتشاف الشبكات الكبرى.
سادساً: إطلاق برنامج قومي واسع للوقاية من الإدمان، يبدأ من المدارس والجامعات ومراكز الشباب، ويشارك فيه الإعلام والمساجد والكنائس ومنظمات المجتمع المدني والأسرة.
سابعاً: إنشاء برامج للعلاج وإعادة التأهيل وإعادة دمج المتعافين في المجتمع وسوق العمل، لأن علاج المدمن ليس رحمة بالفرد وحده، بل حماية للأسرة والمجتمع والوطن.
لا نريد جيلاً من ضحايا الحرب والمخدرات معاً
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً من دماء أبنائه.
فلا يجوز أن نسمح بأن يخرج من الحرب جيل فقد بيته ومدرسته وعمله، ثم يجد أمامه سوقاً مفتوحة للمخدرات.
الحرب أخذت من السودان أرواحاً كثيرة، فلا ينبغي أن تسمح الدولة للمخدرات بأن تأخذ ما تبقى من عقول أبنائه.
إن مسؤوليتنا اليوم أن نحمي الإنسان السوداني، لا أن نكتفي بحماية الحدود والمنشآت.
فالحدود تحمي الأرض،
والعدالة تحمي المجتمع،
والتعليم يحمي العقل،
والعمل يحمي الشباب،
والقانون يحمي الدولة.
كلمة إلى المسؤولين
إلى رئيس القضاء: نريد عدالة ناجزة في إطار القانون، تحفظ حق المجتمع وحقوق المتهمين، وتبعث برسالة واضحة بأن جرائم تصنيع المخدرات والاتجار المنظم بها لن تضيع في دهاليز الإجراءات.
وإلى رئيس مجلس الوزراء: ملف المخدرات يحتاج إلى قرار دولة وموارد دولة وتنسيق دولة.
وإلى وزير الداخلية ومدير عام الشرطة ومدير مكافحة المخدرات: أنتم في الخط الأول من هذه المعركة، والدعم الذي تحتاجه قواتكم ليس ترفاً، وإنما استثمار مباشر في أمن الوطن.
وإلى النائب العام ووزير العدل: نحتاج إلى منظومة تشريعية وعدلية تسد الثغرات وتلاحق الشبكات الكبيرة وتضمن سرعة المحاكمة واسترداد الأموال غير المشروعة.
وإلى كل مؤسسات الدولة: لا تجعلوا مكافحة المخدرات ملفاً موسمياً يظهر مع كل ضبطية ثم يختفي.
إنها معركة طويلة، وتحتاج إلى استراتيجية وطنية مستدامة.
وأخيراً…
السودان ليس مصنعاً للموت.
السودان بلد الشهداء، بلد النيل، بلد العلم والزراعة والإنتاج، بلد الشباب الذين يستحقون أن يحملوا الكتب والأدوات والمشروعات، لا أن يحملوا أكياس السموم.
إن ما كشفته الضبطيات التي أوردها الدكتور محمد عوض محمد متولي يستحق أن يكون منطلقاً لمراجعة وطنية شاملة، لا مجرد خبر عابر.
وأكرر تقديري للدكتور محمد عوض على هذا الجهد البحثي والتحليلي، وعلى وضع هذه المعلومات أمام الرأي العام.
ولعل السؤال الذي يجب أن يبقى حاضراً أمامنا جميعاً هو:
إذا كانت الحرب قد دمرت الحجر، فهل سنسمح للمخدرات بأن تدمر الإنسان؟
لا.
فالانتصار الحقيقي للسودان ليس أن تتوقف البنادق فحسب، وإنما أن يعود الإنسان السوداني آمناً، سليماً، متعلماً، منتجاً، قادراً على بناء وطنه.
ولذلك فإن معركة مكافحة المخدرات ليست معركة شرطة وحدها، ولا قضاء وحده، ولا حكومة وحدها.
إنها معركة السودان كله.
ولنقطع من اليوم دائرة الشر:
الحرب لا تموّل المخدرات، والمخدرات لا تموّل الحرب.
فإذا أردنا سوداناً آمناً في 2040، فعلينا أن نبدأ من الآن ببناء دولة قوية بالقانون، واقتصاد قوي بالإنتاج، ومجتمع قوي بالوعي، وشباب قوي بالعلم والعمل.
ذلك هو الطريق إلى سودان المستقبل.
رؤى وطنية
نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
أبوعبيدة أحمد علي@



