الحوار السوداني السوداني…. من جدل النخب إلى جلباب الوطن

رؤية وطنية…نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
بقلم/ أبوعبيدة أحمد علي
رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية – مجلس الصداقة الشعبية العالمية
=================
الجزء الأول: الأمن القومي… والسؤال الذي لا يمكن تجاوزه
=================
في البدء، لا بد من كلمة إنصاف للأستاذ فاروق فريد على تعقيبه الهادئ والعميق على ورقة الدكتور الواثق كمير، فقد فتح التعقيب باباً مهماً للتأمل في قضية الحوار السوداني السوداني، وفي الكيفية التي ينبغي أن ننظر بها إلى مستقبل وطن أنهكته الحرب وأثقلته الخلافات.
ولكن يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: كيف يمكن أن نبني حواراً وطنياً حقيقياً ونحن أمام وطن أنهكته الحرب، وتعرض نسيجه الاجتماعي لهزات عميقة، وتشرد الملايين من أبنائه، ودُمرت مؤسسات ومرافق ومدن وقرى؟
لا يمكن أن نتحدث عن المستقبل وكأن شيئاً لم يحدث.
لا بد أن نسأل بشجاعة: ماذا حدث في الخامس عشر من أبريل؟ وكيف بدأت الحرب؟ وكيف تطورت؟ ومن دعم أطرافها؟ وكيف تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح والتدخلات الخارجية؟
إن تحليل أسباب الحرب لا يعني إقامة محكمة سياسية، ولا يعني إغلاق أبواب الحوار، وإنما يعني امتلاك الشجاعة للنظر إلى الحقيقة كما هي؛ لأن الحوار الذي يتجاوز جذور الأزمة قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يصنع سلاماً مستداماً.
والأمن القومي ليس قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الحوار؛ فهو شرط أساسي لقيام الدولة، وللديمقراطية، وللتنمية، وللحياة السياسية الطبيعية.
لقد خاض السودان طوال تاريخه الحديث حوارات واتفاقيات ودساتير ناقشت قضايا المركز والهامش، والهوية، والمواطنة، والعلاقة بين الدين والدولة، والعلاقة بين المدنيين والعسكريين، وشكل الحكم، وطبيعة السلطة المركزية.
لكن السؤال الذي يجب أن يظل حاضراً: لماذا لم تنجح كل تلك التجارب في صناعة استقرار دائم؟
ربما لأن المشكلة لم تكن دائماً في نقص الاتفاقيات، وإنما في ضعف الإرادة السياسية لتحويل ما نتفق عليه إلى ممارسة حقيقية على أرض الواقع.
ولذلك ينبغي ألا يتحول الحوار الجديد إلى متاهة من القضايا القديمة بينما المواطن ينتظر الأمن والغذاء والدواء والمدرسة والمستشفى، وينتظر النازح أن يعود إلى بيته، والمهجر أن يرى وطنه من جديد.
نحن بحاجة إلى حوار ينزل من أبراج التنظير إلى أرض الواقع.
الأمن القومي أولاً
إن أي مشروع وطني جاد لا بد أن يضع الأمن القومي ووحدة السودان في مقدمة أولوياته.
فالسودان ليس مجرد مساحة جغرافية، وإنما دولة ذات موقع استراتيجي وموارد ضخمة وتاريخ طويل، الأمر الذي يجعله عرضة لتقاطعات المصالح الإقليمية والدولية.
ومن هنا تأتي أسئلة لا بد للحوار أن يواجهها:
كيف نحمي القرار الوطني؟
كيف نمنع التدخلات الخارجية من التأثير في مستقبل السودان؟
كيف نحافظ على وحدة البلاد؟
كيف نحمي مؤسسات الدولة؟
وكيف نمنع السودان من أن يتحول إلى ساحة لصراعات الآخرين؟
هذه ليست أسئلة هامشية، وإنما أسئلة وجودية.
لا نتجاهل التدخل الخارجي
لا يمكن أن نتجاهل الحديث عن التدخل الخارجي في الأزمة السودانية.
فهناك اتهامات وتقارير ونقاشات واسعة حول دعم أطراف مختلفة في الحرب، والسودان وشعبه من حقهما أن يعرفا الحقيقة، وأن يعرفا من دعم، ومن عارض، ومن ساهم في إطالة أمد الحرب.
لكن الحقيقة لا تُبنى على الاتهامات المجردة، وإنما على التحقيق والتوثيق والأدلة والقانون.
ومن هنا ينبغي للسودان أن يعمل على بناء ملف وطني موثق، يستند إلى الأدلة، ويحفظ حقوق الدولة والشعب، ويضع كل الوقائع أمام الجهات المختصة.
وهكذا يصبح الحوار مدخلاً لحماية السودان، لا مناسبة لإعادة إنتاج خلافاته.
يتبع في الجزء الثاني…



