أسامة عثمان يكتب….ذكرى التحرير

ذاكرةُ الأيامِ دومًا تسجّل الأحداثَ المهمة؛ منها ما هو جميل، ومنها ما هو قبيح نتمنى ألّا يعود.
ولا أظن أن هناك أقبح من حرب الجنجويد ضد المواطن المغلوب على أمره؛ حربٌ استهدفت الإنسان في نفسه وعِرضه وماله، وأذاقته كل مرارات الحياة.
وما فجر الخامس عشر من ديسمبر من العام 2023 ببعيد، حين استيقظ مواطنو مدينة ود مدني في ذلك الفجر المشؤوم على أصوات المدافع وزخات الرصاص. ولم يكن من المعتاد على أهل هذه المدينة، التي تعودت أن تصحو على أصوات الأذان، أن تستيقظ على أصوات المدافع والرصاص. ثم تفاجأوا بأناسٍ لا يشبهون البشر إلا في أشكالهم، أما أفعالهم فكانت أشبه بالوحوش والذئاب، الأمر الذي دفع معظم أهل المدينة إلى الفرار من أحب بقاع الأرض إليهم، نزوحًا ولجوءً إلى شتى بقاع الأرض.
ولا أظن أن أحدًا قد سلم من أفعال هؤلاء الأوباش الذين دنّسوا أرض الجزيرة، بعد أن كانت الملجأ والملاذ لكل من فرّ من ويلاتهم في العاصمة الخرطوم.
ومع دخولهم، غاب الأمن والأمان، وتحولت أرض الجزيرة إلى جحيم.
ولكن بحمد الله، ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي، تم تحرير أرض المحنة في الحادي عشر من يناير 2025؛ تحريرٌ أفرح كل الشعب السوداني في داخل الوطن وخارجه، وعاد معه الأمن والاستقرار من جديد. ويُعد هذا التاريخ من الأحداث المهمة التي ستظل خالدة في ذاكرة الأيام، ويمثل عيدًا لأهل الجزيرة، يتزامن مع أعياد الاستقلال المجيد.
وما كان لهذه الأعياد أن تكون، ولا لهذا الفرح أن يكتمل، لولا نفرٌ كريم من أبناء الشعب السوداني، هم أكرم منا جميعًا، قدّموا أرواحهم رخيصة لننعم بالأمن والأمان ونحتفل بهذه المناسبات.
نسأل الله الجنة والخلود للشهداء، والشفاء العاجل للجرحى، وفك أسر المأسورين من أبناء السودان الخلّص الأوفياء.
ونتمنى ألّا ننسى هؤلاء الأبطال وأسرهم، فما قدموه لا يُقدّر بثمن.
ولنجعل شكل الاحتفال هذا العام وفاءً وعرفانًا، بأن يكون الاستقلال مزيدًا من الأمن والاستقرار، والتحرير مزيدًا من النماء والتعمير.
وخير مثال لما يحدث الآن بمحلية ود مدني الكبرى، ما نشهده من نماذج مشرّفة، من بينها تأهيل وافتتاح المركز الصحي بقرية أم عليلة، الواقعة على الضفة الشرقية لمدينة ود مدني على الطريق القومي الشرقي. وهي القرية التي بدأ منها المتمردون الدخول إلى المدينة، ومنها انطلق الدمار والنزوح والخراب.
إلا أننا اليوم نقول للأعداء والخونة: من حيث بدأ الدمار بدأنا الإعمار، وحققنا شعار يد تبني ويد تحمل السلاح.
ومسيرة الإعمار مستمرة لا ينكرها إلا مكابر، ويشهد على ذلك مبنى رئاسة المحلية نفسه؛ فالمارّ بشارع النيل يرى هذا المبنى واقفًا بكل شموخ وفخر، رمزًا لعزة أهل هذه المدينة الأوفياء.
وما تم فيه من إعمار وتهيئة لبيئة العمل هو حق مستحق للمواطن، ويستوجب الشكر والثناء للعاملين بالمحلية، بدءًا بالمدير التنفيذي ومرورًا بجميع العاملين.
والأمثلة في مجال الإعمار والتنمية كثيرة، وما إنارة الطرق بالطاقة الشمسية، وبدء أعمال الصيانة بها، ببعيد؛ فهو رد عملي على الخونة بأن التحرير عندنا يُترجم إلى تعمير، وأن الاحتفال يكون بالأفعال لا بالشعارات، خدمةً للمواطن الذي عانى كثيرًا من ويلات حرب فُرضت عليه وحرمته الكثير.
وتحية إجلال وتقدير للجنة أمن الولاية التي منعت الاحتفالات التقليدية والحشود الجماهيرية، ونقول لهم: ليكن الاحتفال مزيدًا من الأمن والاستقرار والتنمية، حتى ينام مواطن الولاية قرير العين، بعد أن أرهقه النزوح واللجوء.



